الفلسفة في الحياة

0
169
فلسفة الحياة
عن روبي والحرية.. ونافورة البلدية وأشياء أخرى.. (مقال)
 
الجسد البشري عرضة دائما للاتساخ.. إما بسبب الأتربة والغبار.. أو خلايا الجلد الميتة.. أو حتى بسبب السوائل التي يفرزها بشكل مستمر كالعرق وخلافه.. لذلك.. فإننا كبشر، نحتاج كل يوم تقريبا أو يومين.. أو كلما مات يهودي أن نستحم.. والاستحمام عادة بشرية قديمة.. حتى أيام الكهوف كنا نمارسها.. كنا نخلع ملابسنا ونقفز في الأنهار والبحيرات كي نستحم.. وعندما انتقلنا للمدنية وسكنا البيوت.. قمنا بتخصيص غرفة -فقط- لهذا الغرض.. وأطلقنا عليها اسم غرفة الحمام..
 
والحقيقة إنه فكرة الاستحمام تحولت بمرور الزمن, من مجرد عملية تنظيف روتينية للجسد.. إلى طقس ثقافي وشعبي وديني يحتفى به.. فأصبح الحمام مكانا لنستكشف مواهبنا الغنائية.. وأصبح على من يريد الذهاب للصلاة أن يستحم.. وعلى العريس والعروس أبضا أن يستحما.. وأصبحنا نهنئ بعضنا البعض بعد الاستحمام.. ونستخدم عبارات مثل.. “نعيما يا أخي.. حمام الهنا”.. ودخل أيضا في ثقافتنا الشعبية وأغانينا.. “ويا خارجة من باب الحمام.. وكل خد عليه خوخة.. ويرد الكورس “خوخة خوخة خوخة.. ” فالخلاصة.. إنه الاستحمام هو شيء إنساني ورائع.. ولا يختلف اثنان على أهميته وكمية السعادة التي يضفيها على الإنسان ومن حوله..
 
وبناء على ما تقدم.. لنفرض.. أنني حين استيقظت هذا الصباح.. وأردت ممارسة طقس الاستحمام اللطيف هذا.. وجدت أن باب الحمام مغلق.. وأن أخي المصاب بعسر الهضم يحتلّ المكان منذ مساء أمس.. فقررت، بدلا من انتظاره.. أن أستحم في نافورة البلدية الموجودة في الساحة العمومية المقابلة لبيتنا.. خرجت من البيت متأبطا منشفتي وأغراضي.. جلست على حافة النافورة.. خلعت ملابسي كلها.. وبدأت أستحم تحت مياه النافورة وأنا أدندن “طب ليه بيداري كده ولا هو داري كده”.. فما الذي يمكن أن يحصل؟
 
بالتأكيد ستقوم القيامة.. وسيجنّ جنون الناس.. وإذا قدر لي الوصول إلى بيتنا حيا.. فبإمكاني بعد أن تلتئم جروحي وتشفى كسوري أن أكتب كتابا بعنوان “كيف تنجو لو هاجمك مائة شخص بالعصي والحجارة”.. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا.. ما الذي تغير؟ وما الذي حول طقس الاستحمام الجميل الذي يشكر الإنسان عليه، إلى خطيئة ملعونة لا تغتفر؟ الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح سؤال الحريات الذي يؤرقنا ويطرح على طاولاتنا الفكرية بشكل يومي تقريبا..
 
ميّز الإنسان عبر تاريخه بين ثلاثة أنواع من الأفعال.. الفعل الأول هو خير بذاته.. وبغض النظر عن زمان ومكان حدوثه.. فهو خير.. كمساعدة المساكين مثلا.. سواء قمت بها سرا أو علانية.. في الليل أو في النهار.. فهي خير.. النوع الثاني هو شر بذاته.. وبغض النظر مرة أخرى عن مكان أو زمان حدوثه.. فهو شر.. فسرقة عطاءات الدولة نهارا وأنت ترتدي ربطة عنق.. لا تختلف أبدا عن سرقة دجاج الجيران ليلا وأنت ترتدي بيجاما.. في الحالتين أنت سارق.. وفعلك مدان ومحتقر بكافة المقاييس..
 
النوع الثالث والأهم.. هي أفعال ليست خيرا أو شرا بذاتها.. إنما تتغير من الخيرية إلى الشر وبالعكس، بحسب زمان أو مكان حدوثها.. فالاستحمام في مثالنا السابق.. كان فعلا محمودا عندما مارسه الإنسان في مجاله الخاص.. لكن عندما مارسه في المجال العام.. أصبح نقيصة وعيبا.. الفعل نفسه لم يتغير.. لكن المجال الذي مورس فيه الفعل قد تغير.. وبالتالي تغير تقييم هذا العمل..
 
بهذا المنطق يمكننا فهم الكثير من الظواهر حولنا.. يمكننا مثلا فهم الضجة التي أثارتها روبي في بداية الألفية عندما اقتحمت مجالنا العام وهي ترتدي ملابس رياضية كاشفة وتقوم بحركات مغرية بينما تغني عن خجل الحبيب وليه بيداري كده! طبعا ما فعلته روبي (وإن بدا طبيعيا ومقبولا الآن) إلا أنه شكل صدمة حينذاك.. وهذا ما جعل مريديها يعتبرونها أيقونة للتحرر وكسر التابوهات وهدى شعرواي جديدة.. وهو ما جعل كارهوها يلعنوها لنفس السبب..
 
طبعا من نافلة القول أن مجالنا العام العربي – إذا ما قورن بمجالات عامة أخرى – يعتبر متحفظا بعض الشيء.. ولا تزال هنالك حراكات ومحاولات كثيرة لتوسعته.. دولة كالسعودية مثلا.. التي ظل مجالها العام لعشرات السنين مغلقا أمام تصرف بسيط كقيادة المرأة للسيارة.. والذي لا يزال إلى الآن مغلقا أمام كشف المرأة لرأسها.. أو سفرها بدون محرم.. تشهد الكثير من المطالبات بفتح المجال العام.. ومنح الأفراد حرية أكبر..
 
دولة مثل مصر.. والتي يعتبر مجالها العام منفتحا نسبيا.. لا تزال قضايا المجال العام تثير فيها الكثير من النقاشات.. ولعل أحدثها هو ما حدث قبل أشهر.. عندما كان هنالك طبيب مصري يستقل مع زوجته إحدى عربات المترو في القاهرة.. وحدث أن مالت الزوجة برأسها المتعب على كتف زوجها.. هذا التصرف لم يعجب أحد الركاب الجالسين خلفهما.. واعتبره – أي وضع الزوجة رأسها على كتف زوجها- جريمة وقلة أدب وانتهاكا للمجال العام.. فما كان منه إلا أن اعتدى عليها بالسباب واللكم.. ودولة مثل تونس تشهد الآن جدلا حول مشروع قانون يبيح الإفطار العلني في رمضان..
 
طبعا قد يقول قائل.. أن هذه حركات تغريبية.. وأن لمجتمعنا خصوصيته وتقاليده وتعليمات دينه الإسلامي التي يجب على الجميع احترامها والالتزام بها.. وهذا كلام صحيح نسبيا ومنطقي إلى حد ما.. خصوصا أن الإسلام نفسه في تشريع الحجاب بالذات.. يؤسس لفصل تام بين المجالين العام والخاص.. فما يصح للمرأة في بيتها.. لا يصح لها خارج بيتها.. أي ان التشريع نفسه مرتبط بالمجال.. لكن الأمر في الحقيقة أعقد من هذا بقليل..
 
ففي موضوع مثل الإفطار العلني في نهار رمضان.. الأصل أن الفعل نفسه – أي الإفطار – غير مجرّم.. فقد يكون الشخص مريضا أو مسافرا أو معذورا.. أو غير مسلم.. أو حتى مسلما ولا يريد أن يصوم.. (وهنا لا نتحدث عن الإثم الواقع عليه من ناحية دينية.. هذا شأن الإنسان مع الله والدولة ليست شرطة دينية).. لكن هل المجاهرة بهذا العمل يجب أن تجرّم قانونا أم لا؟ هل هي حرية شخصية للأفراد في مجالهم العام؟ أم إيذاء لمشاعر المواطنين الصائمين؟ في مدينة كبيروت.. يبدو هذا الأمر مضحكا جدا.. لأن معظم شاغلي المجال العام ليسوا مسلمين.. في مدينة كبريدة.. قد تدخل في تعقيدات لا حدود لها لو سولت لك نفسك مناقشة الأمر حتى.. أما في مدينة تعج بالسياح والزوار كدبيّ، فهنالك تسامح جزئي مع الأمر.. فأيهم على حق؟ وأيهم على باطل؟
 
الفكرة التي أؤمن بها.. أن من حقّ كل إنسان أن يكون له رأيه في محددات المجال العام.. لأنه مجال نملكه جميعا.. ومع أن آراءنا قد تنبع من خلفيات دينية وثقافية.. إلا أن الموضوع برمّته ليس دينيا بل اجتماعي.. أي أن من يحله هو التوافق الاجتماعي وليست الفتاوى.. وبالتالي.. لا يجوز وصف من يعارض خطوة ما بأنه ظلامي تكفيري.. ولا من يعارض خطوة أخرى بأنه منحل.. لأن ما هو محرّم وملعون الآن.. سيكون مقبولا جدا غدا..
 
شخصيا.. لا أريد بالتأكيد أن تصبح مواصلات بلدي كقطارات ألمانيا مثلا حيث يمكن للمرأة ليس فقط أن تضع رأسها على كتف زوجها.. بل وتذهب إلى ما هو أبعد بكثير.. لكنني في الوقت نفسه.. أتسامح مع امرأة تضع رأسها على كتف زوجها أو تقبله حتى.. ولا أرى في ذلك انتهاكا لمعتقداتي أو جرحا لتصوري البريء عن العالم.. ومع أنني أحب أجواء رمضان.. إلا أن صيامي لن يتأثر إذا ما رأيت أناسا يأكلون أو يشربون في قاعة طعام داخل مركز تجاري.. ومع أنني أدعم الحجاب.. إلا أنني لا أرى أي ضرر في أن تلتزم به امرأة أو لا تلتزم.. في النهاية.. فإن أفعال الآخرين ليست جزءا من عالمي.. ولدي من النضج ما يمكنني من قبول مجال عام يخالفني وأخالفه..
 
عموما.. معركة المجال العام ستظل مفتوحة ومستمرة.. وسيكسب ويخسر كل طرف كل يوم أراض جديدة.. لكن الثابت أننا لن نصل أبدا لمرحلة أن يتماهى المجال الخاص مع العام.. وهو ما ليس مطلوبا بالمناسبة.. لأن الشخص الواعي يدرك أن الحرية الجيدة هي الحرية المنقوصة.. وأننا – لا بد في نهاية الأمر – سنخضع بشكل أو بآخر لمحددات اجتماعية.. وبالتالي فحريتنا لا يمكن لها أبدا أن تكون مطلقة ولا يجب أن تكون.. وهذا بالضبط ما فهمه أجدادنا القدامى.. عندما قالوا مثلهم اللطيف “ما حرّ إلا الكلب”.. لأنهم أدركوا بفطرتهم البسيطة أن الكلب هو الكائن الوحيد الذي لا يفرق أبدا بين المجالين الخاص والعام.. فتراه مرة يتبول في حديقة مهجورة ومرة يتبول في الشارع العام.. وقد يغازل رفيقته خلف أحد الأسوار.. وقد يفعل ذلك في وسط السوق.. وقد يستحم في بركة بعيدة ذات يوم.. ويقف يوما آخر في نافورة البلدية يغسل جسمه ويغني.. “طب ليه بيداري كده ولا هو داري كده”..
 
.
.
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here