قصة اعجبتني كثيرا – الفقر ليس عيبا

0
32
قصة جميلة جدا ومؤثرة
الفقر مش عيب (مشهد واحد)..
###
غرفة جلوس بسيطة.. تتناثر في جنباتها بعض الفرشات الإسفنجية المزركشة .. وتتوسط سجادتها المهترئة مدفأة وقود حمراء يعلو سقفها الحديدي إبريق نحاسي يخرج من فوهته المنحنية بعض البخار.. بينما تزين الجدار منسوجة ذهبية اللون لآية الكرسي بالخط الكوفي على خلفية سوداء باهتة..
 
في الطرف الأيمن من الغرفة ، وعلى إحدى الفرشات تجلس عجوز ستينية غزا الشيب شعرها، ممددة ساقيها المغطيتين بملابس الصلاة باتجاه المدفأة.. وبينما تسبّح بصمت مستخدمة عدادا للتسبيحات.. تتابع عبر نظارتين طبيتين بإطار أسود سميك ، تلفازا حديثا أمامها ، يعرض هو الآخر – بصمت أيضا – إعلانات متتالية لبعض منتجات التخسيس والتجميل وعقارات للبيع .. وبعض الأخبار المحلية المكتوبة..
 
يقطع الصمت صوت جرس الباب.. وبينما تهمّ العجوز الوحيدة بالنهوض من جلستها الدافئة .. يسمع صوت الزائر وهو يقول بلهجة حانية .. “مسا الخير يا حجة!! بينما يخطو داخل الممر المؤدي إلى الغرفة “.. تتبسم الحجة لدى سماعها صوت ابنها.. فتعود لتتقوقع حول مدفأتها..
 
يفتح الباب بين الممر والغرفة.. فيدخل شاب في أواخر الثلاثينات من العمر مرتديا ملابس شتوية.. يقترب من أمّه .. يسلّم عليها ويقبل رأسها، ثم يجلس بجانبها أمام المدفأة وهو يمسح قطرات المطر عن رأسه ولحيته الخفيفة التي بدأت تظهر فيها بعض الشعرات البيض..
 
يفرك يديه طلبا للدفئ.. ثم يخرج من معطفه علبة سجائر رخيصة وولاعة.. يشعل سيجارته ويسحب منها نفسا عميقا ينفثه وكأنه تنهيدة.. ثم يرتكز بظهره على الجدار وكأنما يرتاح من سفر طويل.. ويقول لأمه..
 
– كيف حالك يما؟ إن شاء الله منيحة؟
– من الله بخير يما.. الحمد لله..
– ورجليك كيف؟ مستمرة عالدوا اللي وصف لك إياه الدكتور؟
– آه والله يما.. الحمد لله.. الشهر هذا ما لقيته بالصحية.. قال مخلِّص.. بس سلفتها لعايدة الله يجزيها الخير جابت لنا شريطين من المستشفى اللي بتشتغل فيه..
– يلا الحمد لله.. الله يجزيها الخير..
تسود فترة من الصمت.. تقطعها الأمّ..
– أحطّ لك يما تتغدى؟ أنا طابخة مجدرة..
ينظر الشاب نحو أمّه بعينين زائغتين وكأنّما عقله في مكان آخر.. ويرد بلهجة آلية..
– لا يمّا لا.. تغلّبيش حالك.. مش جوعان والله.. مش جوعان..
– تغديت يما يعني؟
– تغديت؟؟ .. والله ما بعرف تغديت ولا لأ.. يمكن تغديت اه.. تغديت؟ بعرفش.. يمكن..
تبتسم الأم بأسى.. وتقول لابنها وهي تعدّل غطاء ساقيها..
– انت كأنّك يمّا بتنامش كفاية..
يسحب الشاب النفس الأخير من سيجارته.. ثم يطفئها ويقول لأمّه..
– أنا حياتي كلها يما اسمها المش كفاية.. بشتغل بس مش كفاية.. بقبض راتب.. بس مش كفاية.. باكل بس مش كفاية.. وبنام بس مش كفاية.. وبقعد مع المرة والولاد.. بس مش كفاية.. من لما تطلع الشمس لغاية ما أنام وأنا بحرث.. بس مش كفاية.. دايما ملحوق.. دايما معاتب.. ودايما تعبان.. الشي الوحيد اللي عندي كفاية منه هو الفقر والمشاكل.. هذول مكتفي منهم الحمد لله.. وبصدّر للدول المجاورة .. غير هيك، مش كفاية..
 
تتنهّد الأم ولا تزيد على أن تقول..
– بهوّنها الله يا حبيبي.. بتهون إن شاء الله..
– بتهون!؟ …. عارفة يما؟ يمكن والله ما حدا حطّنا في هالمعمعة هاي غيرك انت وأبوي الله يرحمه!
ترفع الأم حاجبيها دهشة!
– احنا!؟؟ الله يسامحك! احنا شو عملنا يمّا؟ فوق ما كبّرناكم وعلّمناكم جامعات هذا جزاءنا؟
 
– ما هي هاي المشكلة.. انت وأبوي الله يرحمه كنتوا مهووسين بالتعليم.. وما في على لسانكم غير أدرس يا ولد.. كتابك يا ولد.. واحنا كبرنا وعندنا وجهة النظر هاي.. انه التعليم هو الشي الوحيد المهم في الحياة.. وإنه إذا الواحد فينا قعد خمس ست ساعات على كتابه، هيك بكون عمل اللي عليه.. وكمّلت.. من المدرسة للجامعة للشغل.. صرنا نفهم الشغل إنه الواحد يقعد ثمان ساعات ورى مكتب.. هيك خلص بكون اشتغل.. ما عمرنا فهمنا معنى الإنتاج.. معنى إنه الإنسان ينتج شيء للمجتمع.. يصنع شيء الناس بحاجة اله.. ولا عمرنا فهمنا إنه الكسب بكون بالإنتاج.. بإنك تخلق منتج اله قيمة..
 
تمر فترة من الصمت.. لا يسمع فيها سوى صوت البخار الخارج من الإبريق..
 
– ما عمرنا مثلا.. زرعنا نبتة.. ولو شتلة بندورة.. شتلة ورد أحمر نزرعها ونبيعها في عيد الحبّ.. مفهوم إنه نعمل منتج معين ونبيعه عمرها ما كانت في قاموسنا.. بعرفش هو خجل ولا خوف ولا جهل.. بس عمرنا ما عملنا هيك شي.. حاطين هالكتاب وعابدينه.. بلاش ورد.. نسوي شغلة صغيرة من الخشب.. لو صندوق صغير.. بتعرفي انت إني لغاية الآن بعرفش أدق مسمار؟ بنطعج معي.. بعرفش أعلق صورة على حيط.. أو أركب مفصلة لباب.. بعرفش أعمل اشي.. ايدي بس للكتابة أو التكبيس على الموبايل..
 
تنزل الأم الإبريق عن المدفأة.. وهي لا تزال صامتة بينما يتابع الشاب كلامه..
 
– طبعا انت يمكن تشوفي الموضوع تافه.. بس هو والله أبدا ما هو تافه.. عارفة ليه؟ لأنه تفكيري تشكل هيك.. قيمتي بالحياة هيك تشكلت.. بعرفش أعمل اشي في الحياة غير إني أقعد ورى مكتب لثمان ساعات وأحلل مخاطر الإئتمان.. طيب لو الشركة هاي في لحظة ما قرروا يروحوني.. شو بعمل؟ ولا شي.. بعرفش أعمل شي.. ماليش لازمة.. بقدرش أنتج شي.. هذا اللي بحكي لك إياه.. عشان هيك راح أظل طول عمري فقير وملحوق.. لأنه رزقتي مش بإيدي.. بإيد الناس..
 
والمشكلة.. إني فهمت هالموضوع على بكير.. مش بكير كثير يعني.. قبل سبع ثمان سنين.. وشو عملت؟ اشتغلت على حالي وفكّرت أعمل منتج؟ لا طبعا.. رحت تجوزت.. ووقفت مصيبتي هون؟ لا.. خلٌفت… وبس صحيت من السكرة اكتشفت اني دخلت المعمعة وصرت مسؤول عن زوجة وطفلين.. وتأمين متطلباتهم اللي ما بتخلص.. إنه شو سلسلة قرارات تدمير الذات المتتالية هاي ما بعرف! يعني لو الموساد هم اللي بخططوا لي حياتي.. ما كانوا دمّروني هيك.. شايفة شو بعمل التعليم؟ التعليم بفقرك! بغرزك في فقر بحياتك ما راح تقدر تتجاوزه.. بحطّك على سكّة بتظلّك تلفّ فيها زي الثور.. ومفكّر حالك عايش ومستور.. بس انت فعليا على بعد راتبين بس من إنك تنام بالشارع..
 
تتنهد الأمّ بحسرة منصتة لابنها.. ثم تقول بلهجة مواساة..
 
– لا يمّا لا.. انت غلطان.. انت شهادتك معك بتشتغل وين ما كان.. وبعدين انت مش فقير يمّا.. ليش فقير؟ وحتى لو أمورك متعثرة شوي.. بكره بتفرج إن شاء الله.. والفقر مش عيب..
 
ينظر الشاب بضحكة سخرية باتجاه أمّه..
 
– الفقر مش عيب؟ هاظ الحكي يما بنحكيه واحنا بعاد.. لما يكون الموضوع ما بمسّنا.. لما نشوف أحمد زكي رايح يخطب نجلاء فتحي وأبوها مش راضي فيه لأنه فقير.. ساعتها بنحكي الفقر مش عيب.. بس لما يصير الموضوع يمسّنا لأ.. بنطول المثل الثاني.. “الزلمة ما بعيبه غير جيبته”.. شوفي هالمثل ما أحقره.. الزلمة ما بعيبه إلا جيبته.. يهيأ لي والله اللي اخترعته رقَّاصة! خلصت وصلة رقص وما حد فتّ عليها فلوس.. قامت قالت.. والله الزلمة ما بعيبه إلا جيبته.. فقاموا الرجال كلهم رموا عليها فلوس دفاعا عن رجولتهم..
هي هيك والله.. وما إلها تفسير غير هيك.. احنا عايشين جوا المثل هذا.. والمشكلة مش بس إنه بربط الفلوس بالرجولة.. ولا إنه بعتبر الفقر عيب الرجل الوحيد وبتغاضى عن أي عيوب حقيقية موجودة فيه.. لأ.. كمان بنفس الوقت بعتبر إنه المكسب هو ميزة الزلمة الأساسية.. فلا تقولي الفقر مش عيب.. لأنه عيب.. أكبر عيب.. واحنا الفقرا أول ناس بنستحي منه.. وبنستحي من حالنا لأنا فقرا.. بنكون شاعرين بدونيّة لأنا فقرا.. وبنداري هالفقر عن عيون الناس.. شوفي مثلا إذا حدا اتصل يعزمنا على مطعم أو شي.. ومعناش فلوس.. بنقول له بصراحة انه معناش؟ لا طبعا.. لأنه عيب.. بنطلع بأي عذر كذاب عشان نتملص بكل أناقة.. صدقي احنا الفقرا أكثر ناس بتكذب.. العيشة تحت ضغط العيب هذا بتخلينا عايشين في عالم زائف.. بنتفنن في رسم عالم غير حقيقي عشان نحمي ذواتنا الهشة من الناس ومن العيب.. مع إنه بنقدر بكل بساطة نقول الحقيقة ونرتاح.. بس لأ.. بنستحي.. ليش؟ لأن الفقر عيب وستين عيب..
 
انت بتعرفي كم مرة أنا دخلّتك العناية المركزة السنة؟ يمكن سبع مرّات والله.. كل ما الشباب بدهم يطلعوا بتحجج فيك.. الوالدة تعبانة والله.. دخلناها العناية المركزة مبارح.. وبس يصيروا بدهم يزوروك بقول لهم طلعت..
 
مع إنه بتعرفي.. احنا الشعب الأردني بالذات لازم نكون أكثر تفهم لبعض في موضوع الماديات هذا.. لأنه احنا بلد فقير ومديون.. انت عارفة يما قديش علينا ديون؟ أربعين مليار دولار.. عارفة شو يعني؟ يعني لو كل الشعب الأردني يشتغل من أول السنة لآخرها وما نصرف فلس واحد من فلوسنا .. يعني لا باكل ولا بشرب بس بتطلع بعيونك.. ونعطيها كلها للبنك الدولي ما بنقدر نسدّه.. عارفة شو يعني؟ يعني عمرنا ما راح نسدّ الديون اللي علينا لتقوم ناقة صالح..
 
عشان هيك والله، كل ما أشوف هذا الوزير الجديد أبو صلعة.. الرزاز.. بطلع عالتلفزيون ويحكي عن مستقبل مشرق إني بصير أضحك.. يا زلمة ما هو الكرسي اللي انت قاعد عليه مرهون.. المرسيدس اللي بتسوقها مرهونة.. انت عارفة يما احنا قديش بندفع للبنك الدولي كل سنة، بس عشان ما يحجزوا عالبلد؟ مليار دولار.. ألف مليون دولار بندفعهم خدمة للدين.. مش سداد لأ.. رشوة.. بس عشان يسكتوا وما ياخذونا عالتنفيذ القضائي..
 
فيعني إذا الوضع هيك.. ليش بالله ما نكون رحيمين على بعض في موضوع الماديات هذا؟ ليش يعني لازم نعيش بَعضنا البعض تحت ضغط مالوش داعي؟ ليش ما الناس يتبعوا نصيحتك الذهبية يما ويآمنوا فعلا إنه الفقر مش عيب؟ وإنه شي خارج عن ذات الإنسان فعلا.. متى راح نبطل كذب حتى على أقرب الناس إلنا.. واحنا بنداري شي مش لازم نداريه.. فكرك يمّا بيجي يوم وبنبطل نعاير بعض بالمصاري؟ بيجي يوم وما بضطروا فيه الفقرا يعيشوا حياتهم كذب في كذب؟ بيجي يوم وبنآمن فعلا إنه الفقر مش عيب؟ بيجي يوم والزوجات ببطلوا فيه يعايروا أزواجهم بقلة المصاري؟ بيجي يوم وبتقتنع فيه نجلا إنه أنا ما عندي مطبعة مصاري.. وإنه ما في داعي ترحّم على كل أهلي لو تأخر الراتب شوي؟ قال الفقر مش عيب.. يما احنا الغني نفسه.. بنروح ندور في تاريخه عشان نلاقي واحد من أجداده فقير عشان نعايره فيه! وبتقول لي الفقر مش عيب.. اسكتي يما اسكتي الله يرضى عليك.. جبتي لي بروستاتا بأحلامك هاي..
 
يرنّ هاتف الشاب فجأة.. فينظر إلى هاتفه ويضحك..
– سبحان الله! لو جبنا سيرة مليون دينار.. هيها حسناء جبل النصر.. مارلين مونرو طلوع المصدار.. خلينا نشوف شو بدها..
يفتح الشاب هاتفه ويشغل السماعات الخارجية.. ويبدأ بالحديث..
– يا طعم الثلج.. وطعم النار.. ونكهة شكي ويقطيني..
– يقطيني؟
– اه.. من قصيدة.. أشعر بالجوع فطعميني.
– لا رومانسي اسم الله عليك.. وينك؟
– أنا عند إمي والله.. بمارس شعيرة برّ الوالدين..
– الله يخليكم لبعض يا حبيبي ويقوي إيمانك.. المهم وانت مروّح.. بعينك الله على شعيرة النفقة.. وبتجيب معك علبة ملح.. وربطة أكياس زبالة.. وكيس حفاظات للولد.. وما تجيب من اللي جبتهم آخر مرة لأنه ال..
يقفل السماعات الخارجية وينظر نحو أمّه ويهمس لها وهو يضع يده على الهاتف.. (بدّي أتّبع نصيحتك)..
 
– نجلا.. أنا مش عارف كيف بدّي أحطّ لك الموضوع.. بس أنا عندي مشكلة في التدفق النقدي.. وظايل معي اثنين وعشرين دينار لآخر الشهر.. وما يكفوا لطلباتك.. فأرجو انك تكوني حضارية و تعذريني وتتفهمي الموضوع.. لأنه الفقر مش عيب..
 
يسمع صوت نجلاء الغاضب عبر الهاتف.. فينظر الشاب نحو أمّه.. ويقول
– مش مقتنعة مني.. شو رأيك انت تحكي معها يما وتقنعيها بأسلوبك الحلو انه الفقر مش عيب؟
تشير الأم الغاضبة بيدها مبعدة الهاتف الخلوي الذي يقربه ابنها منها..
– أقول لها انك مريضة طيب؟
– ألو.. يا نجلا.. إمي مريضة.. أخذناها عالعناية المركزة.. ادعي لها هسه وانسي موضوع الحفاظات..
يسمع صراخ نجلاء عاليا هذه المرة.. وهي تتوعد زوجها..
يضع يده مرة أخرى على الهاتف..وينظر نحو أمه..
– مش مصدقة إنك مريضة.. أقول لها إنك متت طيب!؟
ترفع الأم حاجبيها دهشة..
– ألو.. أنا إمي ماتت يا نجلا.. الله يرحمها ويحسن إليها… قومي صلي لك ركعتين وادعي لها.. هذا مش وقت حفاظات.. والموت مش عيب..
 
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here