مقالة فلسفية حول العنف والتسامح




ثمة وعى يجبرك على الرؤية .. يفتح عينيك كشكل من أشكال التعذيب و يقهرك على الفهم ..
 
وعى يستولى على عقلك كالجنون .. كشبكة عنكبوتية تتشابك خيوطها و نقاطها و تلتقي تفاصيلها الصغيرة الكثيرة لتصنع صورة واضحة المعالم في ذهنك لبداية الشبكة و نهايتها و أطرافها المتباعدة المتناثرة المكتملة القهر و الظلم و السلطان ..
 
من اللحظة التي تستيقظ فيها .. متناسيا ما كان من أخبار الأمس .. و آملا في غد جديد .. تتصادم و تتفاجئ .. كل يوم .. بتفاصيل اللا منطقية التي نعيش فيها ..
 
مذنبون يخرجون .. و أبرياء يسجنون ..
تفاهات الكلام تنشر .. و أنفعها للناس يمنع ..
حريات جوفاء يدعونها .. و لا نرى منها حتى طيفا أو سرابا ..
كلام مجنون يُصدَق .. و حناجر عالية تصرخ من كل مذياع ..
و هم يدعون أن كل ذلك .. هو ما تصوره لك أوهامك المجنونة ..
 
تتحول عنهم و تقرر أن تغمض عينيك عمدا عن الأخبار .. تأخذ قرار فجائيا بضرورة اعتماد الأنانية أسلوب حياة .. فلتنجو بنفسك من هنا ..
 
“ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها”
 
لكنك تكتشف الحقيقة المرة .. لا فكاك و لا نجاة ..
انها ليست أخبار الصحف و التليفزيونات و الانترنت ..
لكنها التفاصيل اللعينة .. في كل صورة للحياة في المجتمع ..
 



نفس الأساليب السلطوية و ألاعيب التأليه و التمجيد الفارغ و الوصاية المطلقة .. في كل ركن .. وراء كل زاوية .. في انتظارك .. ليلتهمها وعيك .. و يستمر التعذيب ..
 
في الشغل .. في الزملاء .. في حكاوى البنات .. في أحاديث المقاهى .. في امتحانات الطلاب .. في اعلانات الوظائف .. في زيجات على وشك البدء و أُخر منتهيات ..
 
إنه الوعى اللعين لسرطان الظلم الذي يتوالد باستمرار و يزحف على كل ما تبقى ..
و في هذا الفيضان الصاخب في نفسك .. الصامت على وجهك .. لا تنسى ..
أن الله عدل ..
 
أن كثيرون قبلك لطمتهم الأمواج و بعثرتهم الرياح و شتتهم الجنون .. و كتب الله لهم يوما ظنوا فيه أنهم انتصروا على الظلم .. و كنا معهم نعتقد أنّا انتصرنا على الظلم ..
 
ليشاء الله أن تكون ما ظننا أنها النهاية السعيدة .. هى بداية تجدد الأحزان .. و خلق الوعى خلقا مؤلما في باطنك ..
 
لكن .. لا تنسى ..
أن الله عدل ..
 
أن ثمة نهاية مكتوبة للظالمين منذ بدء الخليقة .. و أنها قادمة لا شك ..
 
و لا تنسى … أنت .. أيضا ..
أن رحمتك بالآخرين هى بعض بصيص النور الذي يُذهب الظلمة ..
و أن رفقك بمن حولك و تفهمك لدائرة الظلم التي يدورون فيها ظالمين و مظلومين .. بعضا من قطرات عذبة باردة تخفف من وطأة الظلم علينا جميعا ..
 
لا تنسى .. أن وعيك لا يجدر به أن يشدك الى ظلماته فتمتلئ نفسك بالحقد و الغضب و الرغبة في الانتقام ..
 
لكن اجعله يرفعك الى الشفقة بالآخرين .. و اللين عليهم .. من ظلمهم لأنفسهم و الآخرين ..
 
اجعله يملأك بقوة المطالبة بالعدل .. لا غضب الانتقام ..
و يقين الاطمئنان أن الله موجود .. أنه شاهد .. أنه عدل ..
 
ثمة عدل في هذه الدنيا و ما وراءها .. ثمة عدل قادم لا محالة .. وفي انتظاره .. فلنكن أكثر رفقا بأنفسنا و أقل ظلما ما استطعنا ..
 
هند حنفي
.



اقرأ أيضاً: مقالة فلسفية جدلية
.
هل ساعدك هذا المقال ؟



تصنيفات : معلومات عامة مفيدة

كلمات دلائلية :

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..