احلام مستغانمي الاسود يليق بك مقتطفات

لا أحد يخير وردة بين الذبول علي غصنها او في مزهرية …
( العنوسة قضية نسبية ) بإمكان فتاة ان تتزوج وتنجب وتبقي رغم ذلك في أعماقها عانسا ، وردة تتساقط أوراقها في بيت الزوجية …
– – – – – – – – – – – – – –
حدث قبله أن أبكاها رجل، لكن وحده كان بالبهجة يُهيّئها لكلّ تلك الدموع.
رجلٌ أشعل من أجلها كلّ المفرقعات، وأطلق كلّ الأسهم الناريّة، ثم أطفأ الأنوار في عزّ مباهجها الضوئيّة، وحوّل نهارها ليلًا، بعد أن كان ليلها به نهارًا. لأشهرٍ، فقدت مباهجها وحماستها لإنجاز ألبومها الجديد، متذرّعةً بالظروف السياسيّة.
.
الحقيقة، لا شيء سواه كان يعنيها. كانت تكرهه بقدر ما تحبّه، وتتمرّد عليه وتتمنّاه، وتحنّ إليه سرّاً، وعلنًا تتحدّاه. وتصمد أيامًا، ثمّ تنهار أحيانًا باكية، أمام سؤال لا تملك له جوابًا: «كيف حدث كلّ هذا؟».
– – – – – – – – – – – – – –
ما مِنْ قصة حُبّ إلاّ وتبدأ بحركة موسيقيّة، قائد الأوركسترا فيها ليس قلبك، إنما القدر الذي يُخفي عنك عصاه.
بها يقودك نحو سُلَّم موسيقي لا درج له، ما دمتَ لا تمتلك من سيمفونيّة العمر لا «مفتاح صُول».. ولا القَفْلة الموسيقيّة.
الموسيقى لا تُمهلك، إنها تمضي بك سراعاً كما الحياة، جَدولاً طرِباً، أو شلالاً هادراً، يُلقي بك إلى المَصَبّ. تدور بك مثل «فالس» محموم، على إيقاعه تبدأ وتنتهي قصص الحبّ. حاذر أن تُغادر حَلَبة الرقص كي لا تُغادرك الحياة.
لا تكترث للنغمات التي تتساقط من «سُولفيج» حياتك، فما هي إلاّ «نُوتات».
– – – – – – – – – – – – – –
استعادت عافيتها وهي ترى ذلك المنظر المفتوح على شساعة السماء. أخيرًا، نجت من سطوة الفخامة المهيبة، وما أيقظت فيها من أسى لا تعرف له سببًا. فكّرت أنّ الطبيعة مهما كانت باهرة وخرافيّة، لا تشعرك بالنقص، ولا تلحق بك تشوّهات نفسيّة. أنت لا تصغر وأنت تتأمّل شلّالات نياغرا الشاهقة، برغم ضخامتها، لأنّك في الأصل كائن مائي، إنك ابن ذاك الشلّال. ولا تصاب بعقدة نقص وأنت عند سفوح الهملايا، برغم كونها أعلى قمّة في العالم، فأنت ابن تلك الجبال، لأنك من تراب.
.
ثمّ تثري وتبني لك قصرًا، في ضخامة كاتدرائيّة تناطح السماء، وإذا بك تصغر كلّما وقفتَ أمامه. إنّها خدعة الأحجام. لقد خُلقت المساجد والكاتدرائيّات لتقزّم الإنسان، لأنّها بُنيت على قياس عظمة الله لا على قياسك، فهي بيوته.
.
لكن الإنسان يواصل بناء الأبراج معتقدًا كلما قزّمته، أنه يزداد بطولها عظمة، وأنه يُنسب إليها لا إلى التراب. ويبالغ في تزيين جدران قصوره بالذهب، وإذا بمعدنه يصدأ بينما يلمع كلّ شيء من حوله. من أين له هذا الغرور، والحجارة التي رفع بها أبراجه من خلق الله؟ ليتواضع قليلًا، ما دام عاجزًا عن خلق أصغر زهرة برّية تنبت عند أقدام قصره. فبمعجزتها، عليه أن يقيس حجمه.
.
لم تقل له شيئًا ممّا يجول بذهنها، ربّما اعتقد كما عند الصباح، أنّها تتفلسف، بينما هي تتحدّث عن الشيء الوحيد الذي تعرفه حقًّا: الطبيعة.
– – – – – – – – – – – – – –
رجل لا يدري أنّ الكلمات كالرصاصة لا تستردّ، راح يُطلق عليها وابل رصاصه كيفما اتّفق، كانت الكلمات تأتي إليه كما تأتي الدموع إليها.. الكلمات التي تقتل لاحقًا. الكلمات الغيوم التي تمطر دمعًا في ما بعد. ذلك أنّها قرّرت أن تبقى واقفة، تتأمّل تدفّق حممه، دون أن تردّ عليه أو تنزل من عينيها دمعة، فهي لم تفهم أصلًا ما الذي يحدث.
.
لعلّ ما زاد من تذمّره، صمتها وعدم تضرّعها طلبًا لمغفرته. كانت فقط تنظر مذهولة إلى هذا الرجل الذي شوّه المال وجهه كما شوّه «الديكوسين» وجه رئيس أوكرانيا الوسيم فيكتور يوشينكو، يوم سمّموه، فبدا مسخًا عن وجهه الأصلي. ماذا لو كان هذا هو وجهه الحقيقي، الذي عرّاه المال وفخامة المكان. «أعطه قناعًا تعرفْ وجهه الحقيقي».
.
كما يسرقك المال من نفسك، يسرقك المكان بفخامته. ذلك أنّ كلّ شيء فخم هو شيطاني لأنّه زور. وهي مذ جاءت إلى هذا الفندق ما أقامت يومًا معه.. بل مع شيطانه. الرجل الذي أحبّته تركته في غابة بولونيا. كان بسيطًا ومتواضعًا وحنونًا، وهو يمشي بين الأشجار. الآن هو كمن يحاور شجرة بفأس، يتحدّث إليها بكلمات قاطعة حادّة. يهزّ شجرة قلبها بقوّة، فتتساقط أوراق أحلامها أرضًا، متناثرة كما أوراقه النقديّة.
– – – – – – – – – – – – – –
لأشهرٍ، ما كانت لها مشاريع.. بل ذكريات. كانت الحياة بالنسبة إليها لا تُصرَّف إلّا في الماضي. اكتشفت أن السعادة هي أن تملك مشروعًا. أما العافية، فهي أن تضحك من القلب.. أخيرًا.
.
بعد مغادرته، واصل عزّ الدين مهاتفتها ليطمئنّ على سير استعداداتها. يحرّضها حينًا على العمل، وأحيانًا يحلو له مفاجأتها، يطلبها أثناء أسفاره من أرقام لا تعرفها. وعندما تسأل «من؟»، يجيب «الحاج» فتزداد حيرة لكون نصف الشعب الجزائري حجّاجًا.
.
تسأل «أيّ حاج؟»، يردّ «في الواقع أنا ما زلت ما حجّيتش. ما عملت غير «عمرة». ما تنادينيش يا حاج، ناديني يا عمري». كانت نكتة جزائرية عن مدير أزعجه أن تناديه سكرتيرته «يا حاج» فاخترع لها فتوى كي تناديه «يا عمري». ضحكت للنّكتة كما لم تضحك منذ أيّام الجزائر.
– – – – – – – – – – – – – –
في المساء، على طاولة العشاء، قالت له:
_ اعذرني، لا أريد أن أكون تكرارًا لمن عرفت قبلي من نساء. أتمنّى ألّا تفعل معي ما سبق أن فعلته مع غيري.
أشعل غليونه وقال بعد شيء من الصمت:
_ ثمّة أمر ما فعلته إلّا معك، لا تسأليني ما هو.. لن تعرفيه منّي أبدًا! أ
كان تصريحًا في منتهى الصدق أم في منتهى الخبث؟
.
كمن يطلب منك أن تعثري على اللؤلؤة الطبيعيّة الوحيدة وسط عقد من اللآلئ الاصطناعيّة. أيّ لعبة هذه مع صائغ بارع. لا يغشّك تمامًا، لكن مع كلّ ما يفعله يعطيك وهْم احتمال امتلاك اللؤلؤة النادرة الوحيدة.
.
بإمكانك طبعًا عن كبرياء أن ترفضي عقد اللؤلؤ، الذي سبق أن أهدى حبّاتِه لغيرك، كما رفضتِ عرض الساعة التي كان سيشتريها لك، من محلّ ارتاده قبلك مع سواك، وستمتلئين زهوًا لأنّك قلبت اللعبة.. وحجّمت ثراءَه حدّ شعوره بأنّك أنت اللؤلؤة النادرة!
.
وعندئذ، تقول نجلاء، وقد أهنت ماله، و«قرّفتيه حياتو»، ستأتي امرأة أكثر شطارة وأقلّ صدقًا، لن تسأل.. لن تدقّق.. لن تفكّر.. لن تحزن.. ستتلقّف كلّ ما زهدتِ فيه، غير معنيّة بالفرق بين اللآلئ الاصطناعيّة وتلك اللؤلؤة الطبيعيّة. وحده الحبّ مصدر للأسئلة الموجعة.
– – – – – – – – – – – – – –
هي الآن حرّة، لكن كلّما تحرّرت منه، سعدت وحزنت في آن واحد. وكلّما شُفيت من عبوديتها، عانت من وعكة حرّيتها. إنها تتصرّف بيُتم فتاة عليها بعد الآن أن تقرّر وحدها قدرها.
.
لقد غدت يتيمة مرّتين. ليس الحب وحده ما فقدت، بل تلك القوّة الأبويّة الرادعة التي كانت تطوّقها بالأسئلة، وتحاصرها بالغيرة.
.
اليُتم العاطفي هو ألمك السرّي أمام كل خيار، لأنك في كلّ ما تفعلينه لا تقدمين حسابًا لأحد سوى نفسك، كأنّه لا أحد يعنيه أمرك.
– – – – – – – – – – – – – –
دهمها إحساس بالفقر لافتقارها إلى قناع. كان عليها أن تسرق منه أحد أقنعته. الجميع حولها يملك أكثر من وجه، وهي تواجه الحياة سافرة. إنها تطالب بحقها في امتلاك قناع. القناع كان سيوفّر عليها كثيرًا من الخسارات، والنضالات، والآلام، ويعفيها من ضريبة الحياء، ويخفي عن الآخرين ما ترك البكاء من أثر في وجهها .
– – – – – – – – – – – – – –
راح يحشو غليونه صبرًا وتأهّبًا أثناء إنصاته إلى ذلك التمهيد الموسيقي.
انطلق صوتها من درجة مواربة للشجن. لم يدرك وهي تغنّي أمبتهجًا كان أو حزينًا، فتلك الأغنية لم تهزّ شيئًا فيه. الطرب في لسان العرب «خفّة تعتري المرء من سرور أو حزن». مشاعره كانت خارج هذه الأحاسيس. لكن موسيقاها علقت بسمعه كأغنية إيطاليّة تردّدها دون أن تفهم كلماتها، مراهنًا أنّها برغم ذلك تعنيك أو تتوجّه إليك. أليس غريبًا إصراره على قرابة ما، تجمعه بأغانٍ لا يحبّها ولا توافق في الواقع ذوقه!
.
ما الذي يريده منها؟ هذه الفتاة التي ليست أجمل من غيرها، والتي لا تهزّه أغنياتها. لعلّه يريد حالة الشغف التي سكنته مذ رآها. صخب العواطف الذي يسبق امتلاكه لامرأة. دوخة الحبّ.. وذلك الدوار الذي يحتاج إليه لمواصلة اشتهاء الحياة. لذا، لن يحتسيها دفعة واحدة. سيجعل الطريق إليها طويلًا. لقد انتظر شهرًا ليراها مجدّدًا في برنامجٍ تلفزيوني، شهرًا ليُلقي إليها بالطعم، الذي لا يمكن لسمكة صغيرة مثلها إلّا أن تزدرده.
– – – – – – – – – – – – – –
ازرع شجرة فتردُّ لك الجميل، تُطعمك من ثمارها، وتمدّك بسبعة ليترات أوكسجين يومياً، أو على الأقلّ تُظلّلك وتُجمّل حياتك بخضارها، وتدعو أغصانها العصافير لتُزقزق قي حديقتك.
.
تأتِي بإنسان وتزرعه في تربتك.. فيقتلعك أوّل ما يَقْوَى عُوده، يَتمدّد ويُعربش، يسرق ماءك كي ينمو أسرع منك. تستيقظ ذات صباح، وإذ به أخذ مكانك، وأوْلَم لأعدائك من سِلال فاكهتك، ودعَا الذئاب لتنهشك وتغتابك. كيف لا ينخرط المرء في حزب الشجر؟
– – – – – – – – – – – – – –
يُحكى أنّه ذاع صيت جمال إحدى الفلّاحات حتّى تجاوز حدود قريتها، فتقدّم لخطبتها أحد الباشاغات، لكنّها رفضته لأنها كانت تحبّ ابن عمّها. عندما علم الباشاغا بزواجها، استشاط غيظًا ولم يغفر لها أن تفضّل عليه راعيًا. فدبّر مكيدة لزوجها وقتله. كانت حاملًا، فانتظر أن تضع مولودها، وتُنهي عدّتها، ثمّ عاود طلبها للزواج. وكانت قد أطلقت اسم زوجها على مولودها فردّت عليه «إن كنتَ أخذتَ مني عيّاش الأوّل فإنّي نذرت حياتي لعيّاش الثاني»، فازداد حقده، وخيّرها بين أن تتزوّجه أو يقتل وليدها، فأجابته بأنها لن تكون له مهما فعل.
.
ذات يوم، عادت من الحقل فلم تجد رضيعها، وبعد أن أعياها البحث، هرعت إلى المقبرة، فرأت ترابًا طريًا لقبرٍ صغير، فأدركت أنه قبر ابنها، وراحت تنوح عند القبر و«تعدّد» بالشاويّة بما يشبه الغناء «آااعيّاش يا ممّي». فأقبل الناس عند سماعها تنادي «يا عيّاش يا ابني» يسألون ما الخطب، وما استطاعوا العودة بها، فلقد لزمت القبر الصغير وظلت تغنّي حتّى لحقت بوليدها وزوجها. ففي مروانة، يُفتدى الراحلون بالغناء حتّى اللحاق بهم. ذلك أن لا وسط ولا اعتدال في طباع أبنائها، إنهم يمارسون كلّ شيء بلا رحمة.
– – – – – – – – – – – – – –
لا تراهني على وفاء أحد عدا الكلاب. أُحبّ ذلك الوفاء الصامت، والإخلاص الذي لا مقابل له. أنتِ لا تتبادلين مع الكلب كلامًا، لذا لا كذب بينكما، لا نفاق، لا سوء فهم، لا وعود، لا خذلان.
.
المرء بالنسبة إلى كلبه «سيّد » حتّى وإن كان مشرّدًا دون مأوى. يظلّ الكلب رفيق تشرّده في الشوارع. سيخلص له مدى حياته، سواء أكان سيّده جميلاً أم قبيحًا، شابًّا أم عجوزًا، ذا جاهٍ أم مفلسًا، هل تضمنين هذه الخصال في أقرب الناس إليك؟
لم تُجبه. ما كان السؤال موجّهًا إليها. هو حتمًا يعرف الجواب.
– – – – – – – – – – – – – –
الكبرياء أن تقول الأشياء في نصف كلمة ، ألاّ تكرّر ، ألاّ تُصر . ألاّ يراك الآخر عاريًا أبدًا . أن تحمي غموضك كما تحمي سرك.
– – – – – – – – – – – – – –
تتذكّر أنّه قال لها مرّة، وهما يتنزّهان في غابة بولونيا بعد قطيعة: «الفراق من المواد العضويّة التي تتغذّى بها شجرة الحبّ». أكان عليها أن تستنتج أنّ رجلًا يصادق الأشجار هو جاهز لأن يتخلّى عن امرأة، لتنمو في غيابها تلك الشجرة؟ أيكون أبكاها ليسقي بدموعها شجرة الحبّ؟
.
بعد أشهر من البكاء، اكتشفت أنها وحدها كانت تسقي بدموعها الغبيّة تلك الشجرة. وأنّها خسرت غابة على أمل إنقاذ شجرة.. شجرة ربّما لم تنبت إلّا في قلبها.
– – – – – – – – – – – – – –
لم تكن نجمة. كانت كائنًا ضوئيًّا، ليست في حاجة إلى التبرّج كي تكون أنثى. يكفي أن تتكلّم. امرأة تضعك بين خيار أن تكون بستانيًّا، أو سارق ورود. لا تدري أترعاها كنبتةٍ نادرة، أم تسطو على جمالها قبل أن يسبقك إليه غيرك؟
.
لقد أيقظت فيه شهوة الاختلاس متنكرة في زيّ بستانيّ.
تتفتّح حينًا،كوردة مائيّة، وقبل أن تمدّ يدك لقطاف سرّها، تُخفي بنصف ضحكة ارتباكها وهي تردّ على سؤال، وتعاود الانغلاق، فيباشر عندذاك رجالها نوبة حراستهم، وتغدو امرأة في كلّ إغرائها. امرأة لا تهاب الموت، لكنّها تخاف الحياة في أضوائها الكاشفة.
سيعرف لاحقًا أنّها لم تتمرّن على النجاح، ولا تهيّأت له. الثأر وحده كان يعنيها.
– – – – – – – – – – – – – –
كما يأكل القطّ صغاره، وتأكل الثورة أبناءها، يأكل الحبّ عشّاقه. يلتهمهم وهم جالسون إلى مائدته العامرة. فما أولَمَ لهم إلّا ليفترسهم.
لسنوات، يظلّ العشّاق حائرين في أسباب الفراق. يتساءلون: من ترى دسَّ لهم السمّ في تفّاحة الحبّ، لحظة سعادتهم القصوى؟ لا أحد يشتبه في الحبّ، أو يتوقّع نواياه الإجراميّة. ذلك أنّ الحبّ سلطان فوق الشبهات، لولا أنّه يغار من عشّاقه، لذا يظلّ العشّاق في خطر، كلّما زايدوا على الحبّ حبًّا.
كان عليه إذًا، أن يحبّها أقلّ، لكنّه يحلو له أن ينازل الحبّ ويهزمه إغداقًا. هو لا يعرف للحبّ مذهبًا خارج التطرّف، رافعًا سقف قصّته إلى حدود الأساطير. وحينذاك، يضحك الحبّ منه كثيرًا، ويُرديه قتيلًا، مضرّجًا بأوهامه.
– – – – – – – – – – – – – –
الأحلام التي تبقى أحلاما لا تؤلمنا، نحن لا نحزن على شيء تمنيناه ولم يحدث، الألم العميق هو على ما حدث مرة واحدة، وما كنا ندري أنه لن يتكرر.
– – – – – – – – – – – – – –
ما كان لجدّها من جيب، هو لا يحتفظ بشيء لنفسه فما حاجته إليه؟ في بيته لا ينام إلا الضيوف، يستبقيهم ثلاثة أيام حسب أصول الضيافة، وفي اليوم الثالث يُقسم ألا يغادروا بيته إلا محمّلين بالسمن والفريك والكسكسي. ذات مرة، احتجّت زوجته لأنه أعطى الضيوف جلّ مؤونتهم. ردّ عليها «يا مرا.. الكرم يغطّي العيوب.. يمكن شافوا منّا شي ما شفناهاش.. خلّينا نستر حالنا بالجود».
.
كان من «أولاد سلطان» الذين يقال عند ذكرهم «سلاطين وما ملكوا». لسخائهم، لم يُتوّجوا، تنازلوا عن جاه الحكم ليسودوا بجاه الكرم، هم سلاطين بما وهبوا لا بما كسبوا. على حاجتهم يغدقون حتّى ليبدو لمن يزورهم أنهم أثرى منه. لذا، عندما سقطت قسنطينة، لجأ أحمد باي إليهم، فقد كان بايًا في ضيافة بايات، وفارسًا في حماية أرض هي حصن طبيعيّ، تأبى أن تُسلّم من يلوذ بها. فلتلك الأرض أخلاق عربيّة، انصهرت في وجدان الشاوية، وجعلت منهم أشرس المدافعين عن القيم النبيلة .
– – – – – – – – – – – – – –
كانقطاع مفاجئ للكهرباء، اختفى صوته بغتة بعد تلك الإضاءة المُعمية للبصر. انقطعت لهفة هواتفه. اتّصلت به مرّتين، لكن كلّما ظهر رقمها على شاشته كان يتعمّد عدم الردّ ليتركها تائهة في خضمّ الأسئلة، يساورها الندم على خطأ اقترفته ولا تدري ما هو.
.
هو لا يشرح ولا يعاتب. مثله يعاقب، وعليها الاستعانة بفقهاء الشأن العاطفي ليفسّروا لها لماذا نزل عليها غضب الآلهة.
.
تقول نجلاء إنّها «مناورات عاطفيّة». كلّما شعر بأنّه مهدّد بفقدانها تخلّى عنها، فانشغلت عن عملها بالعمل على استعادته. حيلة يضمن بها استعادتها من خلال منعها من العمل.. إذ يتملّكه إحساس بأنّ الشهرة تسرقها منه. هي محاولة للاستيلاء على روح تتمرّد عليه لأنها حرّة!
– – – – – – – – – – – – – –
سيّد الباب ، اجتاز الباب . هي ما أغلقت الباب يومًا ، ولا هي أشرعته . دومًا تركته مواربًا . لو أغلقته لعاتبها قلبها ، ولو تركته مفتوحًا لأنّبها ضميرها .
تركت للرّيح قرار صفْقه أو فتحه على مصراعيه .
الريح ؟ هي تعني يد القدر ، التي تملك مفاتيح الأبواب وأقفالها . أمّا هي ، فتلهو بفتح نوافذ الأحلام .
– – – – – – – – – – – – – –
أراد أن يعطيها درسًا في الغناء، ستلقّنه درسًا في الاستغناء.
ماذا يعرف عنها هي سليلة «الكاهنة»؟ امرأة لم تخسر حربًا واحدة على مدى نصف قرن. كلّما تكالب عليها الأعداء، وتناوب الخصوم على مضاربها، خسروا رهان رجولتهم في تركيع أنوثتها. من حيث جاءت، تولد النساء جبالًا. أمّا الرجال، فيولدون مجرّد رجال.
.
كالجنود العائدين من المعركة، واضعين ورودًا في فوّهات البنادق، عادت. لا أحد يتوقّع أمام طلّتها كم عانت، وفي أيّ الخنادق، لا الفنادق، أقامت. ولا كم من الهجمات صدّت.
.
عزلاء انتصرت، بتلك الهشاشة التي صنعت أسطورة شجاعتها. لقد أكسبها الظلم حَصانة الإيمان. مذ أدركت أنّ طغاة الحبّ كطغاة الشعوب، جبابرة على النساء، وصغار أمام من يفوقهم جبروتًا، وأنّ سيّدك أيضًا له سيّده، وطاغيتك له من يخشاه، صغُر السادة في عينيها، وغدت سيدة نفسها. لا تخاف غير الله، ولا تنبهر إلّا بأصغر كائناته.
– – – – – – – – – – – – – –
قال وهو يزيح قليلًا المزهريّة التي تحجب الرؤية بينهما:
_ ساقي الورود ليس من سيقطفها، ولا قاطفها من ستنتهي في مزهريّة في بيته!
لم تحاول أن تفهم ما أراد قوله. استفادت من تداعيات الكلام.. قالت:
_ لقد وصلتني هذه الباقة هديّة.
تعمّدت ألّا تقول ممّن عساها تثير غيرته أو فضوله. لكنّه علّق:
_ إنّ من يهدي وردًا يقدّم انطباعًا عن نفسه.
أدركت أنّه يستخفّ بذوق من اختار تلك الورود.. قالت:
_ لكلّ ذوقه.. شخصيًّا، لم أفهم لماذا تحبّ زهرة التوليب بالذات، وذلك اللون البنفسجي الغريب.
_ لأنّها زهرة لم يمتلك سرّها أحد. لونها مستعصٍ على التفسير، يقارب الأسود في معاكسته للألوان الضوئيّة. إنّها مثلك وردة لم تخلع عنها عباءة الحياء .
– – – – – – – – – – – – – –
رجل عبرها كقطار سريع، دهس أحلامها وواصل طريقه بسرعة الطائرات، فالوقت هو أغلى ما يملك. لا وقت له ليرى ما خلّفه مروره العاصف بحياتها من دمار. أشجار الأحلام المقتلعة، أعمدة الكهرباء التي قطع الإعصار أنوارًا أضاءت حياتها، سقف قلبها المتطاير قرميده، ونومها في عراء الذكريات.
.
قضت أيامًا مذهولة ممّا حلّ بها. ترى من دون أن تنظر، تسمع من دون أن تُصغي. تسافر من دون أن تغادر. تعيش بين الناس، مندون أن يتنبّه أحد أنها، في الحقيقة، نزيلة العناية الفائقة، وأنّ نسخةمزوّرة منها هي التي تعيش بينهم. نسخة يسهل اكتشافها، فلا شيء مما يسعد الناس يسعدها، ولا خبر ممّا يحدث في العالم يعنيها، وكلّ حديث أيّا كان موضوعه يبكيها. لأن كلّ المواضيع حتمًا ستفضي إلى ذلك الرجل الذي دمّرها ومضى.
– – – – – – – – – – – – – –
سألها مقدّمُ البرنامج بفرحة صحافي وقع على سؤال يربك ضيفه:
_هل يمكن لمن ليس في حياته حبّ أن يغنّي الحبّ؟
جاء جوابها هادئًا:
_وحده فاقد الحبّ جدير بأن يغنّيه.. الفنّ العظيم كالحبّ الكبير، يتغذّى من الحرمان.
بدت كما لو كانت تتكلّم بحياء عن الحبّ. هي تدري أنّ أهلها وتلاميذها ومصطفى وزوجته وكلّ مروانة والجزائر يتابعونها في هذه اللحظة، ولولا إحساسها بذلك لربّما قالت شيئًا آخر. لكنّها بدت صادقة في ما قالته على استحياء. الحياء نوع من أنواع الأناقة المفقودة. شيء من البهاء الغامض الذي ما عاد يُرى على وجوه الإناث.
وهي التي تنازل الإرهابيين بملء حنجرتها، عندما تتحدّث عن الحبّ تخفت طبقة صوتها حتّى درجة البوح، وحينذاك تصبح شهيّة، ويكتشف الآخرون وهم يستمعون إليها، تلك الحقيقة التي نسوها: بإمكان امرأة خجولة أن تكون مثيرة.
تدخّل الشاعر معلّقًا على قولها:
_ لا حبّ يتغذّى من الحرمان وحده، بل بتناوب الوصل والبعاد، كما في التنفّس. إنها حركة شهيق وزفير، يحتاج إليهما الحب لتفرغ وتمتلئ مجدّدًا رئتاه. كلوح رخامي يحمله عمودان إن قرّبت أحدهما من الآخر كثيرًا اختلّ التوازن، وإن باعدت بينهما كثيرًا هوى اللوح.. إنّه فنّ المسافة!
هبّ الملحّن الكبير محتجًّا:
_الحبّ تعتير.. لا شهيق ولا زفير. جيب لي مَرا بتحبّك لَنفسك مو لَجيبك.. وتُنطرك مو تُنطر لَتبرم ظهرك، ع أيامنا الحبّ عمليّة نصب عاطفي.. مَرا بتتجمّل لك.. تتغنّج.. تتبرّج.. لَتوَقّعك، وبس تجنّ وتتزوّجها ما تعود تعرفها. ما في حبّ، في صفقة حبّ.. يا زلمِه بشرفك تعرف شي مَرا بتِقبَل تتجوّز واحد معتّر لأنّا بتحبّو؟!
.
بهت الجميع، وموسيقار الحبّ يهاجم الحبّ في عيده ويتبرّأ منه.
كان قلبًا مجروحًا، ورجلًا مخدوعًا، حضر ليُصفّي حساباته مع الحبّ. إنّه ينتمي إلى العناصر غير المنضبطين في حزب العشّاق، يُطلق النار كيفما اتّفق على النساء. أثناء دفاعه عن الحب، لا ينتبه أنّه أفرغ رشّاشه فيه.. وأرداه.
– – – – – – – – – – – – – –
أوّل ما لقّنوها حماية صوتها من نزلات البرد، ومن التلوّث ومن دخان السجائر. وماذا عن الألم ووعكات القلب حين تغصّ بها الحنجرة، فيختنق صوتك رافضًا النطق؟
.
يوم تسجيل ألبومها، اعتذرت لمهندس الصوت، مطالبة بإعادة تسجيل تلك الأغنية مجدّدًا. بعد المحاولة الثانية، نصحها أن تستسلم لأحاسيسها كما لو كانت تغنّي لنفسها، وألّا تقمع أيّ مشاعر حتّى لو كانت الرغبة في البكاء، مستشهدًا بقصّة سيرج غانسبور»في الثمانينيّات حين قال لزوجته النجمة جين بيركين: «Je suis venu te dire que je m’en vais» فأجهشت جين بالبكاء. وما كانت تدري وهي تنتحب أنّه كان يسجّل بكاءها، كي يرفقه بالأغنية التي ستحمل عنوان ما قاله لها «جئت أخبرك أنّني راحل». كان في الواقع إعلانًا حقيقيًّا لهجرانها!
.
أمِنَ النبل أن نوثّق دموع الآخرين في أغنية نتخلّى فيها عنهم؟
نحن نملك دموعنا لا دموع من أحبّونا.. أمّا هي فلا تملك حتّى دموعها. ما يمنعها ليس خوفها من الإخفاق في بروفا البكاء، بل ما أورثوها من كبرياء في مواجهة الدموع.
– – – – – – – – – – – – – –
مرّت أشهر وهي تكابر، تنتظر أن يهزمه الشوق ويطلبها. في انتظار دقّة هاتف منه نسيت أن تعيش. ثم، بدأت تراه يموت حقًا، وكذلك رقم هاتفه.
الأرقام تموت بموت الإحساس بأصحابها. تموت عندما تبدأ أرقام ذلك الرقم الهاتفي الذي كنّا نحفظه وننسى رقمنا، بالتساقط الواحد تلو الآخر من شجرة الذاكرة، لتترك مكانًا لأرقام خضراء أخرى معلنة بداية ربيع حبّ جديد. لكنّ قلبها كان يأبى أن يغادر الشتاء، ويتشبّث بأوراق الماضي الصفراء، كان مازوشيًّا!
إذًا، ستشرع بإعلان الحرب على كل ما يتشبّث به قلبها من أصفاد، بدءًا بجهاز الهاتف الذي أهداه إليها. لا تريد هاتفًا ثمينًا لا يدقّ، بل هاتفًا بسيطًا يخفق، الأشياء الفاخرة تنكّل دائمًا بأصحابها. ما نفع موسيقى الدانوب الأزرق التي غدت تؤذيها حدّ البكاء؟ تريد سماع رنّة عاديّة، قلبها، لا الهاتف، من يعزف سمفونية لسماعها. عليها أن تتخلّص من كلّ شيء كان جميلًا، وكانت ذكراه الأغلى على قلبها.
في الحبّ، كلّ هبة مكيدة، وكلّ شهقة فرح، هي مشروع تنهيدة، وكلّ رقم هاتفي يحمل من المكر بعدد أرقامه.
تلك الأرقام التي تأبى يدك أن تطلبها، وترفض ذاكرتك أن تنساها.
– – – – – – – – – – – – – –
استيقظت على منظر الورود التي ازدادت تفتّحًا أثناء الليل. لولا أنّها تنقصها قطرات الندى لتبدو أجمل، فهكذا اعتادت رؤيتها في طفولتها في صباحات مروانة الباكرة. تدري أنّه ما من أمل في أن يتساقط الندى على ورود المزهريّات أو يحطّ على مخادع الفتيات الوحيدات!
.
وحدها الورود التي تنام عارية ملتحفة السماء، مستندة إلى غصنها، تحظى بالندى. لكن حتّى متى بإمكان غصن أن يسند وردة ويُبقيها متفتّحة؟ سيغدر بها، وسيسلّمها إلى شيخوختها غير آبه بتساقط أوراق عمرها.
– – – – – – – – – – – – – –
صديقتي تعيش على الغبار الذهبيّ لسعادة غابرة، وترى في الألم كرامة تجمّل العذاب، من أجلها نثرتُ كلّ هذه النوتات الموسيقيّة في كتاب.. لعلّي أعلّمها الرقص على الرماد.
من يرقص ينفض عنه غبار الذاكرة.
كفى مكابرة .. قومي للرقص !
– – – – – – – – – – – – – –
قضت أيامًا مذهولة ممّا حلّ بها. ترى من دون أن تنظر، تسمع من دون أن تُصغي. تسافر من دون أن تغادر. تعيش بين الناس، مندون أن يتنبّه أحد أنها، في الحقيقة، نزيلة العناية الفائقة، وأنّ نسخة مزوّرة منها هي التي تعيش بينهم. نسخة يسهل اكتشافها، فلا شيء مما يسعد الناس يسعدها، ولا خبر ممّا يحدث في العالم يعنيها، وكلّ حديث أيّا كان موضوعه يبكيها. لأن كلّ المواضيع حتمًا ستفضي إلى ذلك الرجل الذي دمّرها ومضى.
– – – – – – – – – – – – – –
ثمّة نساء يلامسن لواعج الروح، يعبرن حياتك كجملة موسيقيّة جميلة، يظلّ القلب يدندنها لسنوات بعد فراقهن.
و أخريات بدون قفلة، لا تدري وهنّ يغادرن، هل كان من تتمّة لتلك السوناتا. وهناك من لا تملك منهن إلّا ومضة ذكرى، كنقرة وحيدة على مفتاح البيانو يتركنك معلّقًا لنظرة.
و هناك نساء نشاز، لا تستطيع دوزنتهن، لا يفارقنك إلا وقد أفسدن تناغم الكائنات من حولك.
– – – – – – – – – – – – – –
لفرط ما رافقت جدها على مدى سنوات إلى ذلك الجبل ، اعتادت أن ترى العالم بساطًا تحتها. لم تكن نظرة متعالية على العالم، لكن تعلّمت وهي على أعلى منصّة للطبيعة، ألّا تقبل أن يطلّ عليها أحد من فوق.
هكذا تحكّم جبل الأوراس في قدرها.
– – – – – – – – – – – – – –
شهق قلبها لصاعقة المفاجأة. إنه هو.. أو لعلّه كلاهما!
هو من أرسل لها إذًا باقة التوليب نفسها ليدعوها إلى العشاء اليوم. هو من أخلفت معه ذلك الموعد الأوّل، أو ذلك الفخّ الذي نصبه لها في المطار قبل أشهر ووقعت فيه!
لم يراودها لحظة واحدة أثناء غنائها احتمال أن يكون هو من حجز القاعة. أيكون ثريًّا إلى هذا الحدّ، وعاشقًا وعاطلًا عن العمل كي ينفق جهده وماله في نصب الفخاخ لها. هل فرغ العالم من النساء لتغدو وحدها هاجسه؟ ولماذا عاد بكلّ هذا الصخب وقد مضى بكلّ ذاك الانسحاب الحاسم؟
راح قلبها يخفق من وقع المفاجأة. ظلّت للحظات صامتة تعيد ترتيب أوراقها، وتستعيد مكالماتهما في ذلك الزمن الأوّل. تتأمّل هذا الرجل الذي على مدى أشهر أسعدها وآلمها.. اختبرها وتخلّى عنها. دلّلها وأهانها.. جاءها وجاء بها كلّما شاء.. وحيثما شاء. ها هوذا إذًا.
عبثًا وضعت لصوته وجهًا، وللغته مهنة، ولجيبه سقفًا، دومًا زوّر لها الإشارات. لعلّه حان وقت طرح الأسئلة.
_ هل لي أن أسأل ماذا تعمل في الحياة؟
ردّ ساخرًا:
_ لو كان لي الخيار لما كنت غير بائع للأزهار، فإن فاتني الربح لا يفوتني العطر.
_ أمنية جميلة.
_ إنّها أمنية أشترك فيها مع عمر بن الخطّاب. هو من قالها.
_ تبدو قارئًا جيّدًا.
_ ليس تمامًا، لكنّني أحفظ كلّ ما أحبّ عندما يتعلّق الأمر بثقافة الحياة.. أعني مباهجها.
_ تدري، قلت البارحة لابنة خالتي إنّني أكاد أجزم أنّ هذا الرجل يملك محلًّا للورود، فردّت مازحة.. ويعمل شاعرًا في أوقات فراغه!
_ صحّحيها.. أنا شاعر بدوام كامل وأعمل بين الحين والآخر رجل أعمال..
_ هل تكتب الشعر حقًّا؟
_ أكتبه؟! لا تلك هواية المفلسين، أنا أعيشه، بإمكانك أن تصنعي من كلّ يوم تعيشينه قصيدة
– أضاف بعد شيء من الصمت
– لي مثلًا معك دواوين شعر سأطلعك عليها يومًا.
قالت مندهشة:
_ معي؟
أجاب كمن يطمئنها:
_ المشاريع الجميلة قصائد أيضًا.. كهذا العشاء مثلًا. سبعة أشهر من المثابرة على الحلم والتخطيط له من أجل بلوغ لحظة كهذه. أليس وجودنا هنا نصًّا شعريًّا؟!
أخذ جرعة نبيذ كما لو كان يحتسي تلك اللحظة.
علّقت:
_ جنون. كان يمكن للأمور أن تكون أسهل.
_ الأسهل ليس الأجمل «إذا كان الطريق سهلًا فاخترع الحواجز».
_ أما أنا فلم أجد غير الحواجز وكان عليّ اختراع الطريق!
_كلّ المتفوّقين في الحياة اخترعوا طريقهم. تدرين.. الفوز في المعارك ذات الشأن الكبير يجعلنا أجمل. الناجحون جميلون دائمًا. أما لاحظتِ هذا؟ حتّى صوتك ما كان يمكن أن يكون جميلًا إلى هذا الحدّ، لو لم ينجح في امتحان التحدّي.
ظلّت صامتة.
– – – – – – – – – – – – – –
ما كانت لتدري بقصة تلك الأغنية، لولا أنّ المؤرّخين وثّقوا تفاصيلها. لقلّة معرفتها باللهجة الشاويّة، غنّتها من دون أن تفهم تمامًا كلماتها، لكنّ الألم تولّى إخبارها بما لا تعلم.
.
لعلّ مروانة كانت تحتاج إلى فاجعة كبيرة تمنحها فرصة إهداء أغنية إلى آلهة الحزن تليق بحناجر أبنائها، وقلوبهم المولعة بقصص العشق المفضي إلى الموت.. فاستجابت الحياة لأمنيتها.
.
يُحكى أنّه ذاع صيت جمال إحدى الفلّاحات حتّى تجاوز حدود قريتها، فتقدّم لخطبتها أحد الباشاغات، لكنّها رفضته لأنها كانت تحبّ ابن عمّها. عندما علم الباشاغا بزواجها، استشاط غيظًا ولم يغفر لها أن تفضّل عليه راعيًا. فدبّر مكيدة لزوجها وقتله. كانت حاملًا، فانتظر أن تضع مولودها، وتُنهي عدّتها، ثمّ عاود طلبها للزواج. وكانت قد أطلقت اسم زوجها على مولودها فردّت عليه «إن كنتَ أخذتَ مني عيّاش الأوّل فإنّي نذرت حياتي لعيّاش الثاني»، فازداد حقده، وخيّرها بين أن تتزوّجه أو يقتل وليدها، فأجابته بأنها لن تكون له مهما فعل.
.
ذات يوم، عادت من الحقل فلم تجد رضيعها، وبعد أن أعياها البحث، هرعت إلى المقبرة، فرأت ترابًا طريًا لقبرٍ صغير، فأدركت أنه قبر ابنها، وراحت تنوح عند القبر و«تعدّد» بالشاويّة بما يشبه الغناء «آااعيّاش يا ممّي». فأقبل الناس عند سماعها تنادي «يا عيّاش يا ابني» يسألون ما الخطب، وما استطاعوا العودة بها، فلقد لزمت القبر الصغير وظلت تغنّي حتّى لحقت بوليدها وزوجها. ففي مروانة، يُفتدى الراحلون بالغناء حتّى اللحاق بهم. ذلك أن لا وسط ولا اعتدال في طباع أبنائها، إنهم يمارسون كلّ شيء بلا رحمة.
– – – – – – – – – – – – – –
كما في عزّ مباهجها معه، كانت تشعر بأنّ ما تعيشه يحدث لامرأة غيرها. دون أن تستوعب ما يحدث لها، راحت تجمع أشياءها من الخزانة. ألقت إلى حقيبتها كل ما عثرت عليه. أصبحت في عجلة لمغادرة المكان.
.
حتّى آخر لحظة، توقّعت أنّها تحلم. لعلّه يمنعها من المغادرة. سيقول معتذرًا إنّ غضبه تجاوز حدّه، ويطلب منها أن ترتدي ثياب السهرة ليذهبا معًا لحضور ذلك الحفل.
.
كانت تكفي كلمة لإنقاذ الحبّ. لكنّ الرجل الذي قضى أشهرًا في انتقاء كلمات ترافق سلال ورده، ما عاد في قلبه كلمة لها. كلّ الكلمات تأتي الآن من جيبه لا من قلبه.
كان كمن يصدم أحدًا بسيارته، ولا يتوقّف لإسعافه، ثم يواصل طريقه لحضور حفل موسيقيّ دون شعور بالذنب.
.
حاولت ألّا تنهار وهي تخلو بنفسها في المصعد. يظلّ المصعد أكثر رحمة، لأنّه ينزل بنا من أحلامنا الشاهقة طابقًا طابقًا، تفاديًا لتهشيمنا لحظة ارتطامنا المدوّي بالأرض.
ليومين، رفضت أن تُخرج من الحقيبة أكثر من لوازم نومها. تركتها مغلقة. قضت معظم وقتها في السرير مع نفسها، تتأمّل كسوف أحلامها.
.
بكت كثيرًا في غرفتها تلك. كانت تحتاج إلى هذا المكان الصغير لتستعيد حقّها في البكاء. كانت تنزف وتدري أنّه الآن يبتسم بأنيابه ومخالبه، لعلمه أنه أدماها. إنّه الحبّ مفترسًا نفسه. برغم ذلك كانت ممتلئة كبرياءً، الكرامة كالشرف مرّة لا مرّتين. وهي لم تعطه هذا ولا ذاك.
هو نال منها لأنه لم ينلها.
– – – – – – – – – – – – – –
– كي لا تحزن حزنًا كاملاً (2)
_____________________
. . .
ألا آخذ من الكلمات التي أسمع منها العشرات ، إلاّ نصفها ، كي لا أعود من الوعود الجميلة ، ولا شيء معي ” سوى كلمات ليست كالكلمات ” . اقتداءً بنزار الذي كان يصدّق ” نصف ما تقول مايا ” و أن أُقلع عن دندنة أغنية أم كلثوم ” الحبّ كُلّو حبّيتو فيك . . الحبّ كلّو “
.
فبعد جردة للعمر كُلّو ، أرى أنّ ” الحبّ كُلّو ” لشخص واحد كثير عليه . ففي الأمر خسارة فادحة ، إن أنت أعطيته قلبك كاملاً ، ووقتك كاملاً ، وحاضرك وغدك ، ثمّ خسرت الكلّ بخسارته . ” لا تذهبي بقلبك كلّه ” قالت نجلاء لهالة في ” الأسود يليق بك ” .. كان عليها أن تحتفظ للفراق بنصف قلبها ، لكنها ذهبت إليه بقلبها كلّه وعادت بنصف عقل !
.
أن تذهب ” بكلّك ” إلى الحبّ ،لا يقلّ سذاجةً عن ذهابك إلى البحر ، على لوح خشبيّ للتزلّج على الأمواج العاتية ، معتقداً أنّ شيئاً منك سيعود بعد العاصفة . ذلك أنّ البحر لن يأخذك بالتقسيط !
.
غالبا ما يُعطي الحب أكثر لمن وهب الأقل ،. إنه يتآمر على العشّاق بجعلهم في حالة جوع دائم إلى المزيد . فحتى ” الكلّ ” أقلّ مما يقبل به عاشق يصبو إلى الانصهار مع من يحبّ. وفي ذلك الحلم المستحيل يكمن هلاك العشّاق . فبعد الانصهار . . يأتي زمن الإنفصال و الانشطار. ويكتشف الصادقون والسذّج حينها ، أن في تلك القسمة غير العادلة ، من أحبّ الأكثر يجد نفسه قد خسر الكلّ . . لا نصفه الآخر فحسب !
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : اقوال وحكم الفلاسفة

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..