التركيز – العقل الباطن

لكي نفهم الفكرة الجميلة العظيمة بالكامل ،
فذلك يتطلب وقتاً ليس أقل من الوقت المطلوب لولادتها
جان يوبيرت

أشخاص كثيرون يملكون تصوراً كاذباً عن ماهية التركيز ولأجلهم فهو يرتبط مع عمل ثقيل وذكريات ليست جميلة دائماً عن المدرسة ، هكذا يقنع هؤلاء أنفسهم بأن التركيز صعب إلا أنك لو شعرت مرة بالسعادة أثناء مشاهدة فيلم أو سماع حفلة موسيقية فستوافق علي أن التركيز يجري بشكل طبيعي تماماً ، إذا ما كنت مشحوناً بالنشاط الذي يجلب لك المتعة .

والتركيز لا يتطلب جهوداً ما فوق الطاقة البشرية ،وإنما تطبيقاً عملياً وهذه الخبرة التي يمكن امتلاكها وتقويتها هي كما أكثرية الخبرات ، بقدر ما تستخدمه أكثر بقدر ما يصبح أكمل ، وبالمناسبة من خلال التركيز تلاحظ أنك أصبحت لا تدير أفكارك فقط ، ولكنك تلقي وضوحاً كبيراً في الذهن .

موهبة التركيز ، والتركيز بعقلك علي فكرة أو رأي محدد يعتبر ضماناً للاستخدام الناجح لقوة العقل وللأسف إذا لم تمرن عقلك ولا مرة فسوف تجد أنه غير موجه لحد ما ، ويقفز من فكرة إلي أخرى ، وهذا أول ما يلاحظه الشخص الذي يبدأ بتدريب عقله ، فالعقل البشري أكثر تحولاً مما يتصور الكثيرون ، ولكي يتمكن هؤلاء من إرادته يجب عليهم بذل جهد ليس بقليل ،وهذا بالضبط ما يجب عليك امتلاكه : إجبار العقل علي التعامل مع الفكرة حسب رغبه وإلقاء الأفكار التي لا تلزمك جانباً ،وطالما إن الشخص يبقي خاضعاً لكل فكرة من أفكاره ؛ سامحاً لها بنقله إلي اتجاه غير مرئي ، فهو سيبقي أسير خياله ، همومه ، أمنياته ، فكل فكرة تملك قوة ضد الإنسان ، وإذا ما تدربنا علي التركيز سوف نبني جهاز مراقبة علي أفكارنا وتقوية العقل بمساعدة طرائق التركيز المختلفة ستعوده النظام والطاعة ، وهذا بدوره يسمح لنا إظهار الوضوح في علاقة أفكارنا .

وتنمية التركيز هي شبيهة تنمية وتقوية العضلات وإذا تركت التمرينات في القاعة الرياضية ، فسوف تقتنع أن أول تدريب يبدو غير مريح ومتعباً جداً ، إلا أن استمرارية الممارسة كل يوم أو أثناء يوم ضمن برنامج محدد ؛ سرعان ما تريك كم هذا ممتع ومشوق، وإن مزاجك سيتحسن وتزداد قوة عملك ويصبح وضعك البدني أفضل بشكل عام .

والأمر نفسه يحدث عند العمل في ” القاعة الرياضية ” الخاصة بالعقل ، فعقلك ليس معتاداً الانضباط والطاعة ، لذلك فأي محاولة للتركيز ستواجه بمقاومة ومن الطبيعي أن تكون غير مثمرة لحد بعيد ، كما لو كنت مارست تدريبات ذهنية لبعض الوقت قبل ذلك .
تذكر هذا ولا تخيب آمالك ، إذا ما حصل ذلك معك عند المحاولات الأولى ، وكن صبوراً وأعط لنفسك الوقت كي تحصل علي هذه الخبرة الجديدة لأن التدريب المستمر فقط يعطي نتائج إيجابية والنتائج ستكون هكذا حتماً ، أؤكد لك ذك.

التفكير

التفكير حسب رأيي : يعتبر الطريقة الوحيدة المناسبة أكثر لتطوير خبرات التركيز ، فهي لا تساعدك في شحذ العقل فقط ، وإنما تسمح بفهم أعمق لأي مشكلة معروضة للبحث والتدريب علي التفكير يعتبر جزءاً لا يتجزأ من عملنا .

ومهما كانت المشكلة فإننا بالتفكير نشق طريقنا عبر الحقائق والقوانين المستلقية علي السطح الخارجي للفكرة ، حتى ندرك المغزى العميق والمخفي في داخلها ، وهكذا بالضبط فعل كل العظماء من فنانين ، ومخترعين ، وصوفيين ، ومستبصرين عبر تاريخ البشرية ، حيث غرفوا معرفتهم بهذه الطريقة فمن دون تفكير عميق لا يمكن رفع الستار الحاجب لكثير من الظواهر ، لذلك فأكثرية الناس يملكون مجرد تصور سطحي عن الحقائق والوقائع المحيطة بهم ، فانظر كيف نخدع أنفسنا معتبرين أننا نعرف كل شيء عن الأشياء متصورين حقائق ومقدمين حججاً منطقية !!

يمكن أننا نعرف شيئاً ما ،ولكن هذا “الشيء” يمكن أن يكون مجرد جزء صغير من المشهد كله ، وطبعاً ما تعرفه ليس كل شيء .
واسمح لي أن أورد مثالاً ، فبم تختلف حبة البندورة المقطوفة وهي ما زالت صغيرة خضراء ، عن الثمرة التي أخذت حقها في النضوج وامتلأت بالعصير؟ وإذا ما أكلت الحبة غير الناضجة ، فإنك تستطيع التأكيد أنك عرفت طعم البندورة وستكون محقاً نوعاً ما ،وإذا ما أكدت أنها مرة وغير لذيذة فهذا نابع من خبرتك ولكنك ستجرب الحبة اليانعة المليئة بالعصير وترى أنك أخطأت في ذلك ، فمعرفتك عن البندورة توسعت بشكل معتبر ، حيث إنك جربت الآن الشكلين وتعرف الفرق لأن الإمكانات المحتملة لحبة البندورة الخضراء كانت محجوبة عنك في البداية ، وبطريقة مشابهة ، إذا قرأت هذا المقال أو كل مقالات داخل القسم (العقل الباطن) أو كتاباً ما مرة ، يمكنك أن تصرح أنك الآن تعرف كيف تؤثر قوة العقل وهذه حقيقة : فتظهر لديك مفاهيم أساسية عن هذه المسألة ، إلا أن الأهم بكثير ليس قراءة المقالات ببساطة ، بل تطبيق الأمثلة والمعلومات المكتوبة فيها عملياً وأنت تدرس هذا ، يمكن أن تحصل علي إمكانات لإدراك أسرار قوة العقل أكثر من الشخص المتسلح بمعارف نظرية فحسب فمجرد التفكير بهذه المسألة يسمح لك بفهمها بشكل أعمق .

كيفية التفكير

عندما نفكر نحن نستخدم عقلنا كضوء المصباح حين نعثر علي المعلومة اللازمة ، والتفكير ينحصر في بأنه عبارة عن أخذ فكرة ، رأياً أو حقيقة وسيرها عميقاً ، وهذا يعود العقل النظام ؛ مدرباً إياه علي التركيز دائماً باتجاه غرض التفكير ، بينما ستنظر أنت إليه أكثر من مرة وتختلق محتوي المشكلة واضعاً علاقات سرية ومقيماً ، بشكل مبكر اتصالات لا تعوض .

ويمكن التفكير فيما يلهمك أو فيما تريد فهمه بشكل أعمق ، لنفترض أنك تريد التفكير في أن الأفكار تملك قوة فعلية ومستخدماً إياها لمراقبة الساعة ( وأنصح هنا ، بتطبيق التمرين ليس أقل من خمس ولا أكثر من عشر دقائق ) ، ابدأ التركيز علي أن ” الأفكار تملك قوة فعلية ” ، وذب كلياً في هذا التأكيد ، وانغمس عميقاً في الفكرة عنه ، اطرح أسئلة علي نفسك ، مثل : “ماذا يعني هذا ؟” ، “ما المقصود من ذلك ؟ ” ، “كيف يمكن أن يؤثر ذلك علي ؟ ” ، ” هل يمكنني استخلاص فائدة منه ؟ ” ، تمعني في ذلك في غضون الوقت المخصص ، غير سامح للعقل أن يحيد عن الأفكار الضرورية .

وإذا ما كانت فكرتك تتوه دائماً في وقت التأمل ، ويتكون هكذا حتماً فأعدها بلطف ولكن بثقة أيضاً إلي موضوع التأمل وفي المرحلة الأولى من التمرين على التأمل سوف تحيد فكرتك عن الموضوع عشر أو عشرين مرة في المرحلة ذات الخمس دقائق ، وأثناء سير التمرين يمكن أن تخطر في رأسك فكرة تائهة تماماً والأفكار المسترجعة من الماضي حول الأعمال غير المنفذة ، وكذلك الأمنيات المختلفة ، القلق والخيال ، تكون إلي جانب الإرادة ظاهرة في العقل محاولة تشتيت انتباهك ، فلا تسمح بانشغال نفسك بها عن الوظيفة الأساسية ومدركاً أن عقلك مشغول بأفكار غير لازمة ، انساها وتابع التفكير من اللحظة التي توقفت فيها ، فعقلك لم يتود بعد الطاعة والنظام ولم يألف نظام عمل مشابهاً ، وهو يفضل التفكير فيما وجد والتركيز علي ما يعجبه أكثر ، وهو سرعان ما يضجر مقرراً أنه لا يوجد هنا ما يفكر فيه ؛ والأفكار تصبح قلقة فلا تعر انتباهاً لأحاسيس كهذه بل أعده ببساطة إلي موضوع التأمل الأساسي مذكراً إياه دائماً بمدى الوقت المقرر وهذه في الحقيقة تدريبات رائعة للعقل ، والآن يمكنك توجيه وتركيز عقلك ، وليس هو من يفعل ذلك معك .

وإذا كنت ستتابع تطبيق التمرين أثناء بعض الأيام أو الأسابيع فسيحدث شيئان ؛ أولهما : إذا ما عملت عقلك علي تعود النظام مدرباً إياه بهذه الطريقة فإنك تقوي في نفسك القدرة علي التركيز وتصبح أنشط وأكثر إبداعاً ، الأمر الثاني : مفهومك المنطقي المحدود لهذه اللحظة حول ما تفكر به يصبح أعمق بشكل ملموس وسنكتشف أنه في وقت التفكير سيظهر عندك شعور القلق ،الفرح والتطور ، كما لو أنه الحقيقة انفتحت لأجلك وأثناء التأمل ليس من السوء بمكان امتلاك قلم وورقة في متناول اليد ؛ لتسجيل الأفكار والآراء الجديدة التي تخطر في بالك ، وسوف تكتشف أنك الآن تستقبل أفكاراً علي مستوي الإحساس وهذا أفضل بكثير من الإدراك المنطقي البسيط ، وبهذا الشكل يمكنك دراسة المشكلة بشكل أعمق .
وقوة العقل الخفية يمكن تطويرها بمساعدة التدريب ، وموهبة التفكير بشكل صحيح وفعال تأتي مع التدريب ، فابدأ اليوم مباشرة بتطوير قدرتك علي التركيز ؛ ممارساً التأمل ويمكنك البدء بالتفكير بأنك تملك عقلاً باطناً قوياً أو بأن الأفكار تؤثر في الواقع .

كتاب: العقل الباطن يستطيع كل شيء

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : العقل الباطن

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..