الحدس أو البديهة – العقل الباطن

لماذا تظللني أفضل الأفكار
عندما أنظف نفسي من الداخل ؟
ألبرت أينشتاين
تصور لنفسك ، إلي أي درجة تشعر بالأمان والثقة ، فيما لو حزت علي شريك قادر علي تزويدك بكل الضروريات ، كأن يلقنك بحلول مشكلاتك كلها ، يفتح أمامك أفاقاً مضطربة ويريك كيفية استخدامها ، وكأن ليحضر دائماً لمساعدتك ، عند أول نداء توجهه له ؛ وفي حقيقة الأمر..هذا الصاحب موجود ويوجد داخلك واسمه الحدس أو القوة الداخلية أو البديهة أو صوت الروح أو صوت الله بداخلك .
وكل الأشخاص العظماء من رجال الأعمال ، الرياضيين ، الفنانين العمالقة يصغون للحدس أو للصوت الداخلي .

فمرة جمعتني الأقدار مع واحد من أغنى وأقدر رؤساء الجوقات في أستراليا ، حيث جلسنا في قاعة الفندق ، وقد بقي علي مغادرتي من هناك ساعة ، وكنت قد عرفته بواسطة مشاهدة صورته في الجرائد والمجلات ، لذلك تقدمت منه وعرفته بنفسي ، وعملت كذلك مما قرأته في إحدى الصحف أنه من المؤمنين كثيراً بالحدس أو البديهة ؛ لذلك قررت أن أسأله هل الأمر كذلك في الواقع.. فقال لي ” الحدس يحتل مركزاً رئيساً في كل ما أقوم به ؛ فعبر مسيرة حياتي كلها لم أقم بأي خطوة مهمة ، من دون التشاور مع الصوت الداخلي خاصتي ” .

أما هنري مينتسبيرغ ، فقد أجري استفتاء لموظفين رفيعي المقام ورجال أعمال ، والذي أوضحت نتيجة أن كثيرين منهم كانوا ” دائماً يحلون المشكلات الصعبة علي التفكير المنطقي ، بمساعدة الحدس أو البداهة . أما الملياردير ومؤسس الـ (CNN) واحد من أغني رجال العالم تيد تيرنر ، فقد اتبع آراء مشابهة : ” حدة الذهن والبداهة تسيران يداً بيد ”

فالإنسان إذا ما استمع لندائه الداخلي ، فسوف يتخذ أكثر الحلول صحة ، وسيفصح عن أشد الأفكار إبداعاً وينظر إلي الأشياء بشكل أعمق ، مكتشفاً الطريق المختصر من إدراك أمنيته إلي تحقيقها ؛ فالأشخاص الذين يظهرون دائماً في الوقت والمكان المناسبين ، والذين يحالفهم الحظ في حياتهم بتواتر مدهش ، ببساطة ليسوا محظوظين .. فهم طوروا حدسهم ، الذي يلقنهم ماذا ومتى يفعلون – والحدس يسمح لهم بالارتياب فيما يبدو واضحاً ، كاشفاً فرصاً جديدة .
من هنا تراهم يستمدون المعرفة الضرورية ، وكذلك التعليمات المتعلقة بمتى وكيف يستخدمونها !؟.

كيف نتلقى الإجابة ؟

تحضير :
تسلح بكل ما تملكه من وقائع و معلومات ، واجعل عقلك الباطن يعمل بكل استطاعته ، وابحث عن أي معلومة ، تتعلق بالقضية التي تهتم بها ، اختر كل شيء ، حتى طريقة ما تتعلق بالشيء الذي تعمل عليه الآن ، وهدفك هو – جمع قدر من المعلومات بحيث إن الوقائع غير المحتملة وغير المقارنة ، ذاتها ، يكمل أحدها الآخر ، ثم أعط الإدارة للخيال ، واغطس في بحر المعلومات هذا ، غير محاول فهمها بشكل منطقي – فهذا عمل العقل الباطن .

نضوج :
مدركاً كل الوقائع جيداً ، يمكنك الاسترخاء قليلاً ؛ فالاستعداد يتطلب نشاطاً من ناحيتك في الوقت ذاته ، مثلما النضوج هو مرحلة أكثر هدوءاً ، والآن دع عقلك الباطن يعمل ، فهو يكدح ليلاً ونهاراً ، محاولاً إيجاد الحل ، بغض النظر عما إذا كنت تفكر في ذلك أم لا ، وبالمناسبة يظهر التطبيق العملي أن العقل الباطن يعمل بشكل أفضل ، إذا ما تركته في سلام ، والإنسان يصبح أكثر حساسية لما يلقنه العقل الباطن ، إذا لم يكن يفكر بشيء محدد في الوقت ذاته .

ومن أجل عملية الإبداع ، تقترب بعناية اللحظات التي يمكن معها الاسترخاء والحلم بـ : رحلة طويلة ، السباحة في حوض الاستحمام ، جولة في الغابة .
علي هذا النحو كان نولان باشنيل ، مؤسس شركة آتاري ، فأول تصور لنفسه أثناء جولة صباحية علي الشاطئ الخالي ، كان ذلك الشيء الذي أصبح فيما بعد لعبة الفيديو الأكثر مبيعاً ، اما ستيفين سبيلبيرغ فيقول ” إن أفضل الأفكار تظهر لديه ، عندما يتجول بالسيارة من دون هدف محدد. ، وقال ألبرت أينشتاين في إحدى الممرات لزميله : ” ولكن ، لماذا تبرق في رأسي أفضل الأفكار عندما أغتسل في الحمام ؟! ” .

دائماً وأنت تفكر في كيفية الحصول علي جواب صحيح ، يمكن أن تحصل علي نتيجة عكسية ، وهذا كما حدث مع الرياضي الذي يفكر بالفوز في المسابقات فقط ، فالرياضيون يعرفون أنه ومن أجل الفوز في المباريات ؛ يجب أن يكونوا جاهزين ولكن غير متوترين ، وإلا ستبدأ الأخطاء مباشرة ولكي تساعدك حدسك أو البديهة أو صوت روحك ، لابد من الاسترخاء وإعطاءها فرصة للعمل .

إيقاظ الحدس أو البديهة

هناك ثلاث خطوات تساعدك بشكل طبيعي ومن دون أي جهود إضافية في إيقاظ حدسك أو بديهتك والحصول علي أجوبة للأسئلة التي تهتم بها :
الخطوة الأولي :
فكر لبضة دقائق في أنك تملك عقلاً باطناً قوياً، وأنه توجد أجوبة صحيحة تماماً ، وأن عقلك الباطن سيكشفها من أجلك ، وحاول الابتعاد من المعرفة المنطقية لهذه الوقائع إلي إدراكها الانفعالي ، وعندما يحدث هذا ، سوف تشعر بإثارة سارة ، ودائماً يجب تذكير الوعي مساعد قادر لدرجة كبيرة جداً كالعقل الباطن ، كما يجب عليك الشعور بالثقة ؛ مدركاً القوة المخبأة في داخلك .

الخطوة الثانية :
سجل وبدقة ما تريد الحصول عليه من عقلك الباطن : أي أجوبة ، حلول وآراء للمشكلة المطروحة ، وكرر لنفسك أن عقلك الباطن يعمل لمصلحتك في هذه اللحظة بالذات ، ولا تتوتر وأنت تحاول تقديم أجوبة ممكنة ، ثم تحدث مع عقلك الباطن بثقة مكرراً بشكل دائم ماذا تريد منه ؟ ، ولكن عبر عن ذلك بالكلمات كما لو أنه سبق أن فعل ذلك من أجلك.. ” الآن سيقوم عقلي الباطن بتلقيني بالإجابة المناسبة ” .. كرر هذا لنفسك عشر مرات علي أقل تقدير ، لكي تشعر أن العملية سارت .

الخطوة الثالثة :
استرخ واملأ عقلك بالثقة بأن جواباً صحيحاً سينكشف لك ، وتذكر إن الإيمان والثقة ليست شعوراً وحسب ، بل هي تذبذبات الطاقة التي ستجذب الحلول والردود الصحيحة إليك ، كما يجتذب المغناطيس المعادن ؛ فالعقل الذي تحدث فيه ذبذبات طاقة الثقة في الجواب الصحيح ، سيجد هذا الرد بطريقة طبيعية ، فتخيل أنك تشعر عندما تحصل علي جواب صحيح بالانفعال ، السعادة ، الاطمئنان . اشعر بذلك الآن ، ولكن لا تتوتر بقوة كبيرة فلا يجب التفكير ليل نهار أن العقل الباطن سيلقنك الجواب الصحيح قريباً .

وتطبيق الخطوات الثلاث ، لا يحتاج إلي أكثر من خمس إلي عشر دقائق مع التركيز العميق ، والأفضل تطبيقها كل مساء قبل النوم ، فالانتقال من اليقظة إلي النوم يعتبر أكثر الأوقات مناسبة للوصول إلي العقل الباطن .

استلام المعلومة

كثيراً ما يأتي الرد علي شكل هاجس أو فكرة ، تبرز في عقلك في وقت أقل ما تفعله فيه هو توقعها ، ويمكن لهذا أن يحدث ، كما حصل مع ستيفن سبيلبيرغ ؛ أثناء قيادة السيارة أو عند تناول الفطور ، وأحياناً يمكن للجواب أن يأتي ” بصوت هادئ من الداخل” ، يهمس لك : ” أذهب إلي هناك ، وجرب هذا ، تلفت لذلك الشخص ، … ”
وموهبة تبيان هذه الهواجس أو الاستماع إلي الصوت الداخلي ، تأتي أكثر من مرة ، إلا أنك تمتلكها مع مرور الوقت ، ولا تتكدر إذا لم يحدث ذلك معك منذ البداية ؛ فأكثرنا لم يشرح لنا أحد كيفية استخدام البديهة لذلك ، لا غرابة في أن الكثيرون يعانون من صعوبات في البداية ، وهذه الموهبة تشبه العضلات التي تنمو وتصبح أقوي مع التدريب ، فما عليك إلا تطوير الحدس ، مخصصاً لها الانتباه المطلوب ، متوجهاً إليها ، واثقاً بها ومتحركاً حسب ما تمليه عليك ، ولكن في البداية يجب الاعتراف بوجودها والبدء بالاستماع إليها .

هل تجولت في الغابة ولو لمرة مع شخص يميز الطيور بشكل عظيم ؟ وهو يلحظ عشرة طيور ، بينما أنت ترى طيراً واحداً لا غير ! ، فعيناه مسددتان ، وهو يعرف عم يبحث وبواسطة التدريب الدائم فإن سمعه أصبح أكثر حدة ، والشيء ذاته يحدث مع الحدس أو البديهة ؛ فتابع بعناية واستمع لما يجري في داخلك ، ويمكن أنك في البداية ستفعل جزءاً كبيراً مما تلقنك إياه الحدس ، غير أنك سرعان ما تتعلم الإصغاء لها ، وهذا أسهل بكثير مما يبدو لك ، فكل ما هو مطلوب منك هو ثقة وتدريب أكثر .

وكثيراً جداً ما تأتينا الأفكار الحدسية في الحلم ، فالدكتور فريدريك بانتينغ الطبيب الكندي اللامع ؛ اكتشف تركيب الأنسولين الكيميائي في الحلم ، وما حلم به بالضبط هو الخطوات التي كان يجب عليه القيام بها ليكتشف الصيغة التي أفلتت منه لوقت طويل ، أما مخترع ماكينة الخياطة إلياس هاو فقد عمل علي مشروعها لسنوات طويلة ولكن ولإتمام اختراعه بقي له تفصيل صغير ، لم يستطع ابتكاره ، وفي إحدى المرات ليلاً حلم كما لو أنه محاط بمجموعة من البرابرة الذين وجهوا إليه رماحاً غريبة وفي نهاية كل رمح وجدت فتحة ، وهنا استيقظ إلياس هاو بقرار حاسم ، أن يفتح في نهاية الإبرة خرماً وهذا التفصيل الصغير أصبح مفتاح اختراع ماكينة الخياطة! .

فالعقل الباطن يمكنه تلقينك الحلول في كل مرة بشكل مختلف ، لكنك تشعر دائماً أنك تتلقي معلومة حدسية علي شكل فكرة ، وبالتصوير الظاهر كذلك ، فالسعادة ، الثقة والشعور الذي يملؤك – هذه الأحاسيس هي بالضبط ما يميز الفكرة البديهية (الحدسية ) عن باقي الأفكار ، التي تبرز في عقلك .

تجلي الحدس أو البديهة

العلاقة المحددة وشكل السلوك يمهدان السبيل لتطور الحدس ، لذلك يجب تغذيتها ، وتوجد طرائق كثيرة تساعد في إعطاء العقل الباطن ما يطلب منه ، وأخذ المبتغي وإذا كنت مؤمناً بحقيقة وجود الحدس أو البديهة وواثقاً في قدرتها، أنت تحقق شرطاً أولياً لعملها ، وإذا تعلمت التفكير بالبديهة كما الواقع أو المرض الموجود حياتك اليومية ، فهي حكماً ستظهر نفسها ، ألا أن تلك الأفكار ، كـ “أنا لن أحل هذه المشكلة أبداً ” أو ” أنا لست قادر علي إيجاد جواب علي هذا السؤال ” ، …
فيجب أن تعطي مؤشراً للبديهة مؤشراً للحدس عن أن الأمر لا يستحق القلق + تدفق الأفكار الإيجابية والاقتناع بأنك تستحق ليس فقط جواباً ، بل الجواب الأفضل يدفع الحدس أو البديهة إلي النشاط الإيجابي والحيوية .

فلا تخجل ، بل قل لعقلك الباطن وبشجاعة إن حكمته معرفته وقوته تقودك وتوجهك ، وفي الليالي.. أنا أتكلم مع عقلي الباطن كما لو أنني أتكلم مع صديقي وأقول له مكرراً ذلك لنفسي كذلك في الوقت ذاته “إنه قادر علي كل شيء وباستطاعته الوصول إلي المعرفة المطلقة وأشرح له بثقة.. ما الذي يجب أن ينفذه من أجلي ، ثم أستغرق في النوم بعد ذلك وأنا كلي ثقة بأن كل شيء سيتحقق فهكذا يحدث دائماً ” .

هذه قناعة تستحق أن تجربها :
“عقلي الباطن ، هو شريكي في تحقيق الحياة النجاح “
ومقسماً هذه القناعة إلي أجزاء ، يمكن ملاحظة أنها تتشكل من ثلاثة عناصر مفتاحية :
1-“عقلي الباطن “.. مؤكداً هذا ، أنت تعترف بحقيقة وجود العقل الباطن ، وتعترف وتقبل بــ”شريكك غير المرئي ” علي أنه موجود واقعياً ، وأنت تذكر نفسك بوجوده مرة أخرى .

2-“…شريكي”.. الشريك هو من يعمل معك يداً بيد لتحقيق هدف مشترك وهو من يتقاسم معك أعباء هذا العمل ، وعند ذلك كل واحد منكم يحل دائرة مشكلاته ، ولماذا لا تسمح لعقلك الباطن بممارسة أفضل ما يمكنه القيام به ، ألا وهو منحك معلومة دقيقة ، أفكاراً وحلولاً ؟ وبهذا لن تكون وحيداً في أي موقف ، ولن يقذف بك إلي مصير مجهول ، لأنه يمكنك دائماً الاعتماد علي عقلك الباطن .

3-“….في تحقيق النجاح “.. وكلمة “نجاح” تعتبر تأكيد قوياً يجسد كل ما أردت تحقيقه في عملك ، علاقاتك مع الناس في حياتك كاملة ، وتكرار بسيط لهذا التأكيد في تذبذب الطاقة ، التي تساعدك في الحصول علي الهدف الموضوع.

أقرأ أيضا : ماذا تفعل عند اضطرارك لاتخاذ قرارك بسرعة ؟

كتاب: العقل الباطن يستطيع كل شيء

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : العقل الباطن

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..