الحياة العسكرية المصرية – الجيش الهولندي

الجيش الهولندي عنده مشكلة إن عدد الناس اللي بينضموا للجيش أقل من إحتياجه. مش بس كده، اللي في الجيش كتير منهم بعقود مؤقتة تتجدد لما تخلص، محدش بيرضي يجدد عقده.
 
أحد الإعلانات اللي بتدعو الناس إنها تنضم للجيش الهولندي فكرته إن الجيش زي الشركة، لو الشركة متعددة الجنسيات عندها فروع في كل حتة في العالم فالجيش برضه كده (مع لقطة من مشاركة الجيش في قوات الأمم المتحدة برة هولندا). لو شركتك فيها فرق كتير إحنا برضه عندنا فرق، الخ.
 
المشكلة إن الناس مش بترضي تدخل الجيش و تفضل تشتغل في شركات و الذي منه. ما دام الإقتصاد كويس، مفيش فقر، الناس عموماً مستوي إدراكها عالي و فرصها إنها تشتغل، حتي لو عمالة يدوية، هتوفر لها حياة كريمة، و مفيش تطرف ولا جو قومجي بياكل مع الناس قوي (الأحزاب المتطرفة و القومجية نسبتها قليلة قوي في البرلمان) يبقي الناس تدخل الجيش ليه؟
 
منظومة الجيوش في الدول الحديثة القائمة علي السمع و الطاعة و التراتبية و تقديس القائد و (لازم تسمع كلام اللي فوقيك علشان عنده معلومات مش عندك) و (مينفعش وقت المعركة تناقش القرارات) إلي آخر منظومة الإغتصاب الفكري اللي بتقوم عليها الجيوش الحديثة متاكلش مع الناس اللي أفقها واسع عموماً.
 
بالتالي هتلاحظ إن الدول المشهورة برخاء المعيشة لكل الناس : الدول الإسكندنافية، كندا، هولندا، سويسرا، كلها معندهاش وزن عسكري ولا حتي إقتصادي ضخم. في المقابل، الدول اللي عندها نسبة محترمة من الجهل و الفقر و عدم مساواة توزيع المال و العنجهية الفارغة بتاعة القومجيين (أمريكا، روسيا، فرنسا، إنجلترا، الخ) هي اللي ليها وزن عسكري و إقتصادي، هي اللي تقدر تخلي الناس تلتحق بالجيش لأن إختياراتهم المادية و الفكرية قليلة.
 
هيلاري كلينتون لما كانت بتتكلم علي برني ساندرز، المرشح الأمريكي اللي عايز يعمل مساواة في توزيع الدخل و ضرائب ضخمة علي الأغنياء و مستوي إجتماعي مرتفع للشعب كله، ردت بإن إحنا مش دولة إسكندنافية، إحنا من عندنا خرجت الشركات العملاقة و الإقتصاد الرهيب و الإختراعات. هي عارفة بشكل واضح و صريح إن كون إنك بتشجع الشركات و المشاريع ده مش معناه إنك توزع الثروة و ترفع مستوي الناس و وعيها بالتساوي، دي ملهاش علاقة بدي.
 
و علشان كده إيلون ماسك، رجل الأعمال صاحب الأفكار المجنونة، من زمان قوي قرر إنه لازم ينقل أمريكا لأن بلده (كندا) مينفعش يعمل فيها الأفكار دي ! في المقابل برضه هتلاقي الناس اللي عايزة تعيش حياة كويسة غالباً بتهاجر من أمريكا لكندا و ليس العكس. ده مجتمع بيركز علي إن الناس تعيش بنظافة و ده مجتمع بيركز علي إنه يبقي قوي مادياً و عسكرياً.
 
لما كنت في الجيش كان فيه مقدم، قدم إستقالته أول ما إتخرج و هو ملازم، إستقالته إترفضت بس فضلت في ملفه كنقطة سوداء. بالتالي طول عمره ممسكش منصب قائد كتيبة. لو وصلت لرتبة عقيد بدون ما تكون مسكت قائد كتيبة في حياتك تخرج من الخدمة. بالتالي هو كان عارف إن الترقية الجاية، اللي هو هيبقي فيها عقيد هيخرج فيها من الخدمة. قبل ميعاد إنتهاء خدمته بشهرين كان منشكح قوي، كل ما حد يطلب منه حاجة ولا يمضي علي ورق ليه علاقة بحاجة بعيدة المدي يقول (أنا ماليش دعوة، أنا مش تبعكم خلاص) و علي وشه إنشكاح عنيف. هو كان بيتاجر في العقارات بره الجيش.
 
العميد، قائد الوحدة اللي كان محدود الإدراك و التفكير بزيادة حتي مقارنة برجل الجيش اللي هو أصلاً أقل من المتوسط، مرة قال له (إنت فرحان كده ليه إنك خارج؟ هو فيه شغل برة أصلاً؟ ) راح صاحبنا رد عليه و قال له ( يا فندم الدنيا برة واسعة ).
 
الضابط ده دنيته واسعة بالتالي مش هينفع يكمل في المنظومة دي، و دنيته الواسعة دي مش شرط تكون واسعة بسبب شهادته ولا علمه، هي واسعة بسبب شخصيته اللي شايفة برة حاجات مش جوة، حتي لو كانت الحاجات دي قدرته علي التجارة في العقارات. العميد دنيته محدودة، بالتالي آخره يفضل في الجيش و يترقي من عميد للواء و يزود النحاس اللي علي كتفه لغاية ما يخرج من الخدمة، و هو ده اللي حصل.
 
رئيسي في الجيش كان كل ما ييجي ميعاد إنتهاء تجنيد عسكري من ذوي المؤهلات المتوسطة يهزر معاه و يقول له (ما تتطوع في الجيش، و تبقي زي الصول فلان). العيال كها تقريباً، اللي بتجيد حرفة ما ولا عندها صنعة كانت تقول له (لو هيقتلوني مش هتطوع في الجيش). اللي معندهوش حرفة ولا مهارة كان بالفعل مش بيستني إنتهاء خدمته و بيتطوع قبلها بكتير، و عادة بيبقي شخص محتقر من باقي العساكر و بيسخروا منه. هو شخص محدود المواهب و دينته ضيقة حتي بمعايير ناس بإعدادية.
 
بالمثل لو إنت في مجتمع بيجعل دنيتك واسعة، مادياً و إنسانياً، أو إنت شخص متميز و دنيتك واسعة بسبب سعيك و إطلاعك و مواهبك، فعمرك ما هتدخل الجيش و المجتمعات النظيفة هتلاقي دايماً عندها مشكلة في إنها تجتذب ناس لدخول الجيش و هيفضلوا زي هولندا كده، سنة بعد سنة العجز عندهم في عدد الأفراد يتزايد لأن الجيوش الحديثة منظومة مختلة متقومش و تقوي إلا في مجتمع مختل.
 
محمد عادل
 
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : مقالات ثقافية متنوعة

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..