الدول النامية المتخلفة – الشباب والمستقبل

في الوقت الذي تُعاني فيه مجموعة من الدول تراجعًا حادًا في أعداد الشباب، والذين تقع على عاتقهم مُهمة الإبقاء على وجود الدولة أصلًا (من أين تأتي القوى العاملة؟ من المسئول عن الحفاظ على استدامة النمو الاقتصادي؟ من المسئول عن خدمة شريحة كبار السن المُتزايدة؟)، هُناك مجموعة أخرى من الدول لديها “فائض” لا تعرف ما الذي عليها فعله به (أو رُبما تعرف، كأن تتفنن في دفعهم لمُغادرتها بالعديد من الوسائل.)
 
أغلبية الدول التي تُعاني من مُشكلة تراجع أعداد الشباب الآن هي دُول مُتقدمة، ولهذا لن يكُون من المستحيل عليها أن “تستورد”حاجتها من الشباب من البلاد الأخرى (المنح الدراسية، خلق بيئة عمل جذّابة، تسهيل شروط الحصول على إقامة دائمة، تسهيل شروط الهجرة.. إلخ).
 
لكن ماذا عن الدول التي لديها فائض الآن، والتي تعمل “كمصدِّر” للشباب؟
 
على المقياس الحضاري، أغلبية هذه الدول يقع في ذيل القائمة. استمرار أسباب تخلف هذه الدول مع استمرار مُعدلات “التصدير” الحالية سيصل لنتيجة حتمية واحدة: تفاقم أعداد كبار السن مع تراجع حاد في أعداد الشباب. ولكن على عكس الدول المُتقدمة، هذه الدول لا تمتلك أي مصدر جذب قد يدفع الشخص للانتقال إليها. بعبارة أُخرى، لن تكُون هُناك أيّة حلول عندما تصل هذه الدول إلى تلك النُقطة.
 
قد يتصور البعض أن هذا الأمر يحتاج لعدة عقود إلى أن يحدث، ولهذا لا حاجة للقلق الآن، ولكن للأسف الأمر يحدث أسرع بكثير مما قد تتخيل. فقط هذا الأسبوع أعلنت الصين عن توقف العمل بسياسة طفل واحد لكُل أُسرة بعد العمل بها لثلاثة عقود. السبب؟ أضرار هائلة وقعت في التوزيع السكاني ستحتاج لعدة عقود لإصلاحها، منها تراجع أعداد الشباب. نعم، دولة هائلة بحجم الصين يُمثل سُكانها خُمس البشر على كوكب الأرض بدأت تُعاني من نُقصان الشباب بسبب سياسة اتبعتها لثلاثين عامًا فقط.
 
الدول التي تمتلك أعدادًا كبيرة من الشباب لديها ثروة هائلة لا يُماثلها أي شيء آخر، ولهذا إن لم تعمل هذه الدول على الاستثمار فيهم “كأولوية مُطلقة” فهذا يعني أن نهايتها قريبة.
 
ولأن الأفراد هُم مُنتجات بيئتهم، فالعدد لا يُمثل أي شيء إن كانت جودة الفرد سيئة، ولهذا فالاستثمار الرئيسي لابُد أن يكون في تعليمهم، وأقصد بالتعليم هُنا كُل شيء يرتبط بالكلمة. كُل شيء.
 
ما لم يكن التعليم هو النواة التي يدور حولها كُل شيء في الدولة، لا تحدثني عن شباب ولا عن تقدم ولا عن أي شيء آخر. الجهود الأهلية لا يُمكنها استبدال دور الدولة في هذه الحالة، هي فقط تعمل على نطاق الأفراد (وهو في حد ذاته إنجاز كبير)، ولكن إن كُنت تتحدث عن تغيير جذري على مُستوى الدولة للانتقال من وضع مُزري، لمنع كارثة مُقبلة، إذن لابُد أن يكُون العمل على مُستوى الدولة.
 
أول ما يجب القيام به هو إعادة هيكلة منظومة التعليم بشكل كامل، بحيث تتبع العملية التعليمية لكُل المراحل “رؤية مركزية” تُنظم كُل الجهود للوصول لأهداف مُحددة وواضحة مُتكاملة. لا يجب أن يتم تفتيت منظومة التعليم على عدة جهات لكُل منها رؤية تختلف تمامُا عن الأخرى (بفرض أن لديها رؤية أصلًا)، بل يجب أن تتولاها جهة واحدة مركزية. اليابان هي إحدى الدول التي تقوم بهذا الأمر بشكل حرفي. إحدى وزارات الحكومة اليابانية تُسمى “وزارة التعليم، الثقافة، الرياضة، العلوم والتكنولوجيا”، وهي تقوم بعمل يفوق عمل الوزارات التالية في مصر مُجتمعة: 1- وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى، 2- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، 3- وزارة الشباب والرياضة، 4- وزارة الثقافة.
 
إن لم تكُن من أهل صناعة القرار، ما الذي يجب عليك فعله؟ بالطبع ليس الانتظار. إن كنت من أهل إحدى البلاد سيئة الحظ، تكفل أنت بتعليم نفسك وأولادك كما ينبغي، وساعد من تستطيع مُساعدته ممن هُم حولك سواء بشكل مُباشر أو عن طريق المُشاركة في جهود أهلية، وبالطبع يجب أن تقُوم بذلك خلال سعيك لمُغادرة تلك البلاد إلى مكان آخر.
 
محمد حجاج
 
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : عاهات مجتمع

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..