السعادة الحقيقية والسعادة المزيفة

تتسبب ممتلكاتنا في شعورنا بسعادة زائفة ، ويتوجب علينا أن نسعى إلي السعادة الحقيقية التي تنبع من داخلنا ، ويتأتي ذلك من أمرين : الشعور بالهدف من وراء شعورنا بالسعادة وكذلك المشاعر الإيجابية التي تنتابنا جراء تقديم المساعدة للآخرين

أولاً ؛ حين يتعلق الأمر بالمغزى والهدف من حياتك ، فإنني لن أملي عليك أهدافاً ، ومع ذلك فقد توصلت من خلال استكشافاتي الخاصة وعملي مع الكثيرين إلي أن الأشخاص السعداء هم من يجدون هدفاً ومغزى لحياتهم من خلال التغلب على نقائصهم وشعورهم بانعدام الأمان ، وبقبولنا فكرة أننا بالفعل نمتلك ما نحتاج إليه للشعور بالسعادة ، سنبدأ في الاستمتاع بنقائصنا وعيوبنا وسنسمو فوقها ، ويسمح لنا ذلك بأن ندرك أننا أسمي من تجاربنا التي مررنا بها حتى وقتنا هذا وأننا دائماً ما نملك الخيار حيال كيفية شعورنا وتصرفنا إزاء الأمور المختلفة ، وأن لدينا حرية اختيار المواقف التي نستمر في المرور بها ؛ فنحن لسنا في حاجة إلي تكرار الماضي ، وقد قام بعض العلماء بدراسة هذه الظاهرة .

وتوصل الدكتور ” جريجوري بيرنز ” – من جامعة إيموري بالولايات المتحدة الأمريكية – إلي أن العنصر الأساسي لشعورنا بالرضا والسعادة بصورة مستمرة يكمن في بذل الجهد في سبيل القيام ببعض الأمور الجديدة وكذلك في الشعور بالحماس في بذل الجهد في سبيل القيام ببعض الأمور الجديدة وكذلك في الشعور بالحماس حيال ذلك والالتزام بممارسة الأمور ذات الأهمية الشخصية .

ثانياً ؛ بالنظر إلي تقديم المساعدة للآخرين ستجد أنني لدي تجربة مباشرة يومية توضح من خلال عملي الذي أقوم به بجانب الاعتناء بنفسي والاستمتاع بحياتي وبما أقوم به ، فنظراً لاهتمامي بسعادتي ورفاهيتي الخاصة ، يتوافر لدي قدر من الطاقة الزائدة التي أستغلها في تقديم يد العون لكل من يحتاج المساعدة ؛ ولكنني لم أكن لأنجح في تقديم المساعدة للآخرين ، لو كنت قد عانيت من المرض أو التعاسة في حياتي الشخصية ، وعليه فإنني إذا شعر بالرضا فسينتقل هذا الشعور بالرضا إلي كل العاملين معي لأنني أحمل ذلك الشعور الإيجابي معي إلي مكان عملي.

لا يمثل العاملات المسببان للسعادة الحقيقية ( وجود هدف خاص بالشعور بالسعادة ، وتقديم يد العون للآخرين ) أكثر الأسباب التي تسبب السعادة وضوحاً بالنسبة لغالبية البشر ، وبالتالي إذا فكر معظمنا في مسببات السعادة ، فستقفز إلي أذهانهم الأمور التي تسبب لهم سعادة مزيفة .

هل يسبب لنا المال السعادة ؟

غالباً ما ننظر إلي المال باعتباره أحد الأمور التي تزيد من مستوي شعورنا بالسعادة ، فهل يجعل المال العالم يدور من حولنا حقاً ؟.. في الحقيقة إنه يقوم بذلك ، فكما نشأنا علي فكرة أننا في حاجة إلي الوصول لمستوى معيشي معين ، ترسخت لدينا أيضاً فكرة أن شعورنا بالسعادة مرهون بامتلاكنا السيارة المناسبة وأحدث أنواع التليفونات وأرقي أنواع الملابس وقضاء العطلات في أجمل القرى السياحية وهكذا.. وتعتمد هذه الأمور كافة علي امتلاكنا للمال ، إذ إنك تستطيع بالمال أن تشتري كل ما يتسبب في شعورك بالسعادة ، لذا فمن السهل أن نعتقد بأن المال هو الوسيلة الفعالة للشعور بالسعادة ، وعلي الرغم من ذلك يشعر الكثير من الأثرياء بالتعاسة !

يؤمن “بيتر أوبل ” – أستاذ الطب بجامعة ميتشجان – بوجود علاقة طفيفة بين المال والسعادة ، وقد توصلت العديد من الاستقصاءات إلي أن الثراء لا يسهم سوى بنسبة واحد في المائة في الشعور بالسعادة ، وقد يسهم الثراء بنسبة أكبر في حياة بعض الأفراد ، ولكن ينطبق هذا علي الفقراء والمعدمين ممن ستسهم أية زيادة في دخولهم في تحسين مستواهم المعيشي ، أما بالنسبة لمعظمنا ممن يتوافر لديه احتياجاته الأساسية من مأكل وملبس ومأوي ، فالمزيد من الأموال لن يعني مزيداً من السعادة ، ولكننا نتخيل ذلك فقط ، ولهذا يتضح أنه بزيادة معدلات دخولنا عن الحد الذي نستطيع معه تلبية احتياجاتنا الأساسية سيكون هذا المال بمثابة إضافة لسعادتنا المزيفة ليس إلا ، ومن ثم فنحن في حاجة إلي النظر إلي الأمور غير المادية لنكتشف ماهية الشعور بالسعادة الحقيقية .

ماذا ستفعل إذا ربحت إحدى جوائز السحب ؟

كم مرة طرحت هذا السؤال علي من حولك أو طرحه من حولك عليك ؟ فأنا أعلم أن هذا هو الموضوع الشائع الذي يتم تداوله حول مائدة الطعام أو عند أي تجمعان بين الأفراد في مكان العمل ، وستجد من يجيبك بقوله : ” سأترك وظيفتي ” أو ” سأسدد ديوني ” أو “سأشتري يختاً أو سيارة حديثة أو منزلاً لقضاء العطلات به ” ، ولكن بعد أن تقوم بكل ذلك.. ما الذي ستفعله بعد ذلك ؟!

أجريت أنا والدكتور ” كارول روثويل” مقابلات مع عشرة أفراد من الفائزين بجوائز السحب ، وقد توصلنا إلي أنه علي الرغم من ثراء هؤلاء الأفراد ؛ فلا يشعر معظمهم بالسعادة بصورة أكبر من غيرهم بل علي العكس من ذلك ، لقد تمني بعضهم لو لم يفز بتلك الجائزة علي الإطلاق فقد عاني بعضهم من الإفلاس وامتلك بعضهم الكثير من الأموال التي لا يعرف فيم يستغلها أو علام ينفقها ، كما أنهم تعرضوا جميعاً للمضايقات من الأهل والأصدقاء وكذلك من المؤسسات والجمعيات الخيرية التي تطالبهم بدفع التبرعات ، علاوة علي ذلك لقد شعر هؤلاء الأفراد بالذنب لامتلاكهم هذا القدر من المال ، ولكنه لم يكن بالقدر الكافي يتهم توزيعه علي الأفراد كافة وكذلك لم تكن لديهم أية فكرة عن الأماكن التي يمكنهم تقديم التبرعات إليها ، ولم يكن لديهم دافع للاستيقاظ صباحاً سوى لإنفاق المزيد من الأموال ، وبناءً عليه فقد فقدت حياتهم هدفها ومغزاها ولم يُستثنَ من ذلك سوى شخص واحد قام بالتبرع بأموال الجائزة لأغراض سامية ، فلم يحتفظ بأى من تلك الأموال لنفسه واستمرت حياته علي نهجها السابق وشعر بسعادة غامرة من جراء تقديمه المساعدة للآخرين .

لماذا لا يسبب الثراء الشعور بالسعادة ؟

لقد تبين لنا أن الثراء لا يتسبب في شعورنا بالسعادة بصورة مستمرة نظراً لأن معظمنا لا يعرف كيفية التصرف في القدر الكبير من المال ، ويفترض الكثيرون أنه بتزايد أرصدتنا في البنوك ، سنشعر بسعادة أكبر ولكن بم ستشعر إذا منحتك مليون جنية إسترليني الآن ؟!… تخيل أنك تمسك بهذا القدر من المال بين يديك.. ماذا ستفعل به ؟

إن مجرد امتلاك مبلغ المليون جنيه إسترليني بالإضافة إلي ما تمتلكه حالياً لن يغير فيك أي شيء ، فما يحدث فرقاً في شعورك بالسعادة هو ما ستقوم بفعله بتلك الأموال ، يفكر القليل من الأفراد فيما سيفعلونه بتلك الأموال وفيما سيشعرون به عند حصولهم عليها وكذلك في المسئوليات التي تترتب علي هذا الثراء ، وقد توصل ” جورج لوينشتاين ” – أستاذ علم الاقتصاد بجامعة كارنيجي مليون – إلي أننا نبالغ في تقدير حجم السعادة طويلة المدى التي سيجلبها لنا المال ، ولهذا فلكي نشعر بالسعادة بعد أن نكسب أو نربح أو نرث كمية كبيرة من المال ؛ علينا إما أن ننفق جزءاً من هذه الأموال في سبيل بعض الأغراض السامية أو الأعمال الخيرية وإما أن ننظر إليها باعتبارها مجرد أوراق نقدية وليس كحلول للمشكلات التي نواجهها .

السعادة الحقيقية

إذا شاهدت الإعلانات المعروضة علي شاشات التلفاز أو السينما أو تلك الموضوعة علي الحافلات واللوحات الإعلانية ، فستشعر بالدونية إذا لم تكن تستمتع بالمستوي المعيشي الملائم ، ولكنك لا تحتاج لأي من تلك الأمور ؛ فالحقائب الأكثر أناقة لن تجعل منك إنساناً أفضل ، كما لن يشعرك الهاتف الأحدث ماركة بالثقة في نفسك ؛ فما تحتاجه لتشعر بالسعادة الحقيقية أن تتقبل حقيقتك كما هي ، بغض النظر عن مهنتك أو مسكنك أو الثروة التي تمتلكها أو مظهرك فأنت في كل تلك الحالات إنسان له صفات تميزه عن غيره ، ومن هذا المنطلق يمكنك أن تستشعر السعادة الحقيقية.

في عصرنا الحالي أغلب البشر يعرفون ثمن كل شي.. !!
ولكنهم لا يعرفون قيمة أي شيء… !!

ويتعمدون أن لا يعرفوها.. !
بسبب خوف أو كَبَر داخلي بأنهم الحق المطلق

وهكذا من السّهل فُقدانهم كل يوم لشئ أو معني جميل في حياتهم .

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : الذات,السعادة

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..