السعادة وطاحونة الملذات

يتسم العصر الحديث بأسباب القلق والضغط النفسي ، وذلك بالإضافة إلي الضغوط الخاصة بالحاجة إلي مزيد من الأمور المادية التي تحتاجها لمواكبة الآخرين حين تزيد الأمور المادية عن حاجتنا – بمعني أدق حين نمتلك أموراً مادية بالقدر الذي نرغب فيه لا بالقدر الذي نحتاجه – فستجد أننا لا نجني سوى السعادة المزيفة ومن خلال اقتناعنا بفكرة احتياجنا إلي مثل تلك الأمور يزداد حجم الضغط النفسي الذي يقع علي كاهلنا إلي الحد الذي تصبح فيه الحياة علي هذا النحو أمراً لا يُحتمل.

إذا تذكرت شكل الحياة فيما سبق ، فسوف تدرك إلي أي مدى كانت تتسم الحياة بالبساطة والسعادة ، ذلك حيث إنه علي الرغم من عدم توافر وسائل الترف والرفاهية المتوافرة في هذا العصر ، فإن الحياة كانت أبسط ولا يشوبها الضغط النفسي الذي نعاني منه الآن لمواكبة من حولنا ،وكذلك كان الأفراد يشعرون بالرضا والسعادة من خلال أبسط الأمور ، وقد زاد ذلك الضغط النفسي بقدر هائل في الخمسين سنة الماضية مُحدثاً أكبر التأثيرات علي مظهرنا ، وما سأقترحه عليك هو أن تتخلي قليلاً عن الرغبة في مواكبة من حولك ، وعن طريق تبني منظور جديد للأمور ، ستجد أنك قد تحررت ولو قليلاً من ذلك الضغط ، وسأساعدك في التعرف علي الأمور التي تتسبب في شعورك بالسعادة الحقيقية وكذلك التعرف علي الأمور التي تسبب لك السعادة المؤقتة أو المشروطة أو المزيفة .

اقرأ: السعادة الحقيقية والسعادة المزيفة

طاحونة الملذات

لقد جاءتني إحدى السيدات لأنها ترغب في تقليل حجم نفقاتها ، فهي تشعر بسعادة غامرة عند التسوق ولهذا يمتلئ منزلها بالأشياء كما أنها تمتلك أربع بطاقات ائتمانية لا تحتوي أي منها علي نقود ومع ذلك تستمر في الإنفاق ، وتتمثل نقطة ضعفها الحقيقية في شراء الأحذية ، وأتذكر حين ذهبت لزيارتها في منزلها وطلبت منها إخراج الأحذية التي تمتلكها ، حينها امتلأ المنزل بأكمله بالأحذية التي لا تتذكر حتى شراء بعضها ، بعد ذلك سألتها عن عدد أزواج الأحذية التي تسبب لها السعادة في الوقت الحالي وبسبب أنها كانت أبعد ما تكون عن السعادة ، فقد أجابت بأنه بصرف النظر عن أناقة بعض تلك الأحذية وأن النظر إليها يدفعها للابتسام إلا أنها طوال فترة هوسها بشراء الأحذية لم تجني سوى التعاسة ، فقد كانت تتسبب عادة شراء الأحذية في شعورها بسعادة مؤقتة ، وبعد مُضي بعض الوقت كانت تفقد تلك الأحذية بريقها ومن ثم كانت السيدة تحتاج إلي شراء المزيد من الأحذية لتشعر بالسعادة مرة أخرى .

تنغمس هذه السيدة فيما يعرف بنظرية طاحونة الملذات ، وبإيجاز فإن المقصود من هذه النظرية أننا نصبح معتادين بصورة ثابتة علي الحصول علي أشياء أفضل أو أكثر إلي الحد الذي نفقد معه الشعور بالمتعة وبالمشاعر الإيجابية التي طالما كانت تنتابنا جراء الحصول علي تلك الأشياء ، ومن ثم فإننا نصبح في جشع ونهم دائمين لطلب المزيد من الأشياء لنشعر بمقدار المتعة نفسه الذي كنا قد اعتدنا علي الحصول منه .

بناءً علي ذلك عندما نعتاد علي الشعور باللذة ، نجد أنه كلما يزداد ما نمتلكه تزداد حاجتنا لامتلاك المزيد لنشعر بالسعادة ، وفي ذلك الوقت يصبح السعي نحو السعادة عملاً مرهقاً ؛ لقد توصلت الأبحاث النفسية إلي أنه كلما ازدادت ثروتنا أخذنا في إجراء التعديلات علي الآمال التي نطمح للوصول إليها ؛ فما كنت تتطلع إلي امتلاكه بالأمس أصبح هو الأساس اليوم الذي تقوم بناءً عليه بتحديد تطلعات الغد ، وهذا يعني أننا في حاجة إلي مقدار أكبر من الأموال لنشعر بمقدار السعادة نفسه الذي اعتدنا الشعور به في الماضي ، وذلك علي الرغم من أننا قد نكون أكثر ثراءً بالمقارنة بالدخول التي كنا نكتسبها في الماضي ؛ فلقد دفع بنا المجتمع إلي الاعتقاد بأشياء كثيرة فيما يتعلق بالمال ولكني آمل أن تدرك بقراءتك لمواضيع قسم السعادة أنها بتركيزك وسعيك الدائم نحو المال لن تشعر أبداً بالرضا أو بالسعادة !

حـب ما تملك ؛ حتى تملك ما تحب
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : الذات,السعادة

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..