الغيرة كالصفعة على الوجه – الشك حالة مرضية

الغيرة أول مشكلة واجهت الرجل والمرأة ، وذلك لأن علاقة الحب ملكية خاصة ومطلقة.. الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن تكون فيه شراكة من طرف ثالث ، والغيرة خوف ، والخوف ألم .. أخاف أن تتركني إلي شخص آخر فأفقدك وأفقد نفسي ، والأهم هو أنني سأفقد نفسي .. هذا معناه أنني أقل وأضعف وأوحش .. لقد توجهت بإرادتك إلي من هو أفضل مني .. إذن الغيرة تنطوي علي اهتزاز شديد للثقة بالنفس.

ولعل هذا هو أسوأ ما في مشاعر الغيرة .. بمجرد أن ألمح الطرف الثالث يحوم أعقد المقارنات بيني وبينه .. أرى مميزاته وأرى عيوبي ، وأتصور يا حبيبي أن عينيك تتجه نحوه إعجاباً ورغبة ، فأضطرب وأضيق وأتمنى زوال هذا الطرف الثالث من الحياة بأي طريقة !

كيف تواجه هذا الموقف ؟
أحب أن أصوغ السؤال بطريقة أخرى تعبر عن الحقيقة وأصل المشكلة :
كيف تواجه نفسك .. كيف تحل مشكلتك مع نفسك ؟

إذن مشكلة الغيرة هي مشكلة داخلية وليست خارجية ، والمواجهة هي مع النفس وليست مع الحبيب أو مع الطرف الثالث ، وأصل المشكلة هي ضعف إحساس الإنسان بنفسه وتقديره لذاته ، أي رؤية مضطربة أو منقوصة للذات يصاحبها قلق .. قلق من العالم الخارجي .. أي قلق من الآخرين .. وهو قلق حتمي ؛ لأن لا أحد كامل ، ولا أحد يستطيع أن يشعر دائماً أنه الأفضل والأحسن والأقوى والأجمل والأذكى والأغنى .. لا أحد بهذه الصورة تلك هي أحاسيس المرضي بمرض الهوس ، وهو مرض يصاحبه الشعور بالعظمة أي يتصور الإنسان أنه يملك قدرات يصاحبه الشعور بالعظمة أي يتصور الإنسان أنه يملك قدرات خارقة ، مريض الهوس لا يمكن أن يشعر بالغيرة ولذا فهو لا يبذل جهداً في الحفاظ علي ما يملك .. فهو يرى نفسه علي القمة ولا أحد يجرؤ علي منازعته.

إذن الإحساس بالاكتمال المطلق هو مرض ، والطبيعي أن يرى الإنسان نفسه منقوصاً .. وأن هذا النقص يدفعه إلي أن يبذل جهداً ليكتمل .. ليتفوق .. ليتميز .. ليعجب كل الناس .. ليقول الناس عني إنني الأفضل .. إذن أنا لا أريد شهادة الآخرين .. يعنيني رأي الآخرين .. أريد أن أحقق ذاتي .. أريد أن أكتمل في عيون الآخرين ..

ثم يعنيني في المقدمة رأي حبيي ، موقف حبيبي ، عيون حبيبي ، فيراني الأفضل والأحسن ، ويري عيوبي ميزات ، ويري نقصي اكتمالاً ، لماذا !؟ لأنني لا أريده أن يتطلع إلي غيري .. ولذا لابد أن أبذل مجهوداً .. لابد أن أجتهد .. لابد أن أرعاه لكي أحافظ عليه .. تلك هي ديناميكية مشاعر الغيرة وأصلها .

أصل المشكلة حين وُجد إنسان آخر ؛ فأصبحت أرى هذا الإنسان الآخر ومن خلاله أرى نفسي..♥ وهذه هي أهمية الإنسان الآخر في حياتنا ، فهو يتيح لنا أن نرى أنفسنا .. مرآتنا هي الآخر .. من خلال رؤيتك للآخر ترى نفسك .. تُقيم نفسك ( والأصح : تقوم نفسك أي تطور ذاتك ) وذلك من خلال المقارنة.

إذا هذا أمر طبيعي ، أما غير الطبيعي فهو أن يكون هناك خلل في هذه الرؤية فتبالغ في تقدير إمكانيات هذا الإنسان الآخر وتقلل من تقديرك لإمكانياتك الذاتية ، وهنا ينتابك مشاعر الغيرة .. أي ينتابك القلق والخوف ، ولذا تتمني زوال هذا الآخر من طريقك لأنه سيخطف منك عيني حبيبك وإعجابه ، ومن ثم اهتمامه ، وقد ينتقل نهائياً إليه مفضلاً إياه عليك ، وهذا هو نبع العداوة والكراهية والبغضاء ، وقبل العداوة يكون الغضب ، وقبل الغضب يكون الخوف أي خوف فغضب فكراهية فعدوان .. تسلسل طبيعي ومنطقي .. والمغالاة فيه تؤدي إلي القتل ، والقليل منه يدعو إلي الحركة ومحاولة التفوق والتميز ، وقد يكون الإبداع.

فإذا تفاقمت مشاعر الغيرة فانظر في نفسك ولا تنظر حولك ، المشكلة في داخلك أنت! ، المشكلة أن الأرض اهتزت من تحت قدميك وأنك تترنح وأنك علي وشك الوقوع .

المشكلة أنك تبالغ في تقدير الإنسان الآخر .. أي آخر وليس واحداً بعينه . أو أنك تبالغ في التقليل من قدر نفسك ، وأن تبالغ في التقليل من قدر نفسك معناه أنك لا ترى نفسك علي حقيقتها! .. معناه أنك أغفلت مناطق القوة ومناطق الجمال في نفسك ! .. معناه أن مزاجك السوداوي أو ضعف ثقتك بنفسك منذ الطفولة وبسبب الطفولة جعلك تنظر بدونية إلي نفسك ، ومع أنك أفضل من ذلك بكثير ، وبكثير جداً .. ( اقرأ : تعلم لعب لعبة الحياة وفقاً لقواعدك الخاصة )

ولكن الغشاوة أعاقت الرؤية السليمة والتقدير المتوازن ، وأصل المشكلة هو أننا نرفض أن يكون بنا نقص أو ضعف وهذا أمر مستحيل ؛ لأن الإنسان الطبيعي لابد أن يعاني نقصاً وضعفاً ، وهو نقص نوعي وضعف نوعي .. أي في مجالات معينة .. ظاهرة أو خافية .. شكلية أو باطنية .

ويقابلها مناطق اكتمال وقوة ، والمحصلة هي إنسان بضعفه وقوته . باكتماله ونقصه . تركيبه خاصة ، وحسب درجات القوة والضعف وحسب مناطق الاكتمال والنقص تتشكل هذه التركيبة الخاصة والتي تختلف بالقطع من إنسان لآخر. المهم في النهاية أن يكون هناك توازن ، بل المهم والأهم هو أن يشعر الإنسان بهذا التوازن داخله.

وإدراك التوازن معناه قبول مناطق الضعف والنقصان .. والقبول معناه أنني لا أري هذا الضعف علي أنه تشويه لذاتي ، ولا أرى هذا النقصان علي أنه إعاقة لمسيرتي في الحياة.. المصيبة الحقيقية في أن يرى الإنسان نفسه مشوهاً معوقاً ، وهناك درجات من هذا الشعور المميت تؤدي إلي درجات مختلفة من هذا الشعور المميت تؤدي إلي درجات مختلفة من الخوف والقلق ، وتؤدي إلي درجات مختلفة من اضطراب علاقة الإنسان بالآخرين ، وإدراك التوازن معناه أيضاً التقدير الموضوعي لمناطق القوة والاكتمال واستثمارها علي أكمل وجه دون تفاخر وغرور ودون إذلال ، وإنما تكون مبعثاً علي الطمأنينة ومصدراً للرضا والسعادة.

والحقيقة أن الرضا الحقيقي مصدره الرؤية المتوازنة .. الرؤية الشمولية .. الرؤية المتكاملة ، فلا أشير بإصبعي وأقول أنا أقوى في كذا وضعيف في كذا ، ولا أشير فأقول هذه مناطق اكتمالي وهذه مناطق نقصي ، بل الإنسان وحدة متكاملة نابضة بالحياة تسعي وتسعد ، تقع وتشقي ، تعلو وتهبط ، أي حركة ديناميكية ، وإذا عاش الإنسان وحيداً مات .. والرؤية الحقيقة للذات تكون من مرآة الآخر ، والحب هو النبع الأول والأساسي للسعادة أو علي أقل تقدير لقبول الاستمرار في الحياة ؛ فالحياة أكثر شقاءً بدون رفيق من الجنس الآخر نرغبه .. نوده .. ونسكن إليه ♥

وإذا لم نجد هذا الرفيق فثمة تمن لا شعوري أن تسرع الحياة إلي نهايتها ، ولكن الحياة مع هذا الرفيق ليست سهلة ، يكفي ما فيها من قلق أن نفقده ، ويكفي ما فيها من خوف من اقتحام طرف ثالث ، وكلها أشياء من صنعنا ، أي موجودة في عقولنا فقط ، فإذا أردت أن تحبك جماح مشاعر الغيرة فانظر في داخلك ولا تنظر حولك ، فتلك هي المواجهة الحقيقية .. المواجهة مع النفس .. التصالح مع النفس .
الشـك
والغيرة لا تقود إلي الشك ، ولكن الشك له نبع آخر وهو نبع موجود في أعمق أعماق الداخل ، عمق لا يرى بالعين المجردة .. عمق تستعصى رؤيته حتى علي صاحب المشكلة إذا حاول أن ينظر داخله . في هذه المنطقة المظلمة البعيدة من النفس البشرية نجد بناءً خرباً يقوم علي افتراضات وتوقعات خاطئة وخائبة ، الافتراض بأن كل الناس سيئون وتوق الشر من كل الناس!

وعموماً فإن علاقة الإنسان بالآخر تقوم علي الافتراض والتوقع ، فأنت تفترض أن فلاناً هذا طيب وبالتالي تتوقع منه المضرة ، وافتراضاتك وتوقعاتك تتوزع علي الناس بنسب معينة ودرجات معينة ، يوجد افتراض مثلاً أن كل الناس سيئون لا نتوقع منهم إلا كل الشر ، ولا يوجد افتراض مثلاً أن كل الناس طيبون فلا نتوقع منهم إلا كل الخير.

تلك هي أوهام وتصورات العقل المريض ، وهذا العقل المريض يتشكل منذ الطفولة بفعل موروثات وبفعل أساليب خاطئة في التربية ، والعقل المريض هو عقل متطرف لا يستطيع أن يرى التوازنات ولا يملك التقدير الموضوعي للمواقف والأشياء ، والذي يجب أن ينبني علي شواهد فعلية وخبرات سابقة ، والعقل المريض هو العقل العاجز عن الرؤية الكلية الشاملة ، بل يرى الأجزاء والتفاصيل ويدقق فيها ، ولا يستطيع أن يري اتصالها وتواصلها مع بقية الأجزاء الآخري.

الافتراض الأساسي للإنسان الذي يشك يقوم علي أساس أن كل البشر سيئون وأن المتوقع من أي إنسان هو الضرر والإيذاء والاعتداء .. ولا يفرق بين قريب وبعيد ، صديق وعدو ، زوج أو زميل .. بل الكل سيئون.

وهي حالة تصاحب الإنسان منذ نشأته ، وتتفاقم مع التقدم في العمر ، وتفسد علي الإنسان كل علاقاته الإنسانية منذ نشأته مع الأخ والجار والزميل والزوج والابن ، ولا أقول الصديق لأن هذا الإنسان من الصعب أن يكون له أصدقاء.

وفي نطاق علاقة الحب أو علاقة الزواج ( وهما أمر واحد ) يكون الألم مبرحاً لأن هذا الشعور – أي الشك – يهدد أساسي الحب والزواج ، فتلك العلاقة المقدسة ( الحب والزواج ) تقوم علي أساساً علي طمأنينة أن الطرف الآخر يراني طبياً وجميلاً ، وتلك نقطة جوهرية ومحورية. ليس مهماً بالدرجة الأولي كيف أشعر أنا بالطرف الآخر ولكن المهم هو كيف يشعر هو ناحيتي .. كيف يراني .. كيف يقدرني فإذا كان يحبني حقاً فهو يراني جميلاً خيراً طيباً .. وجميل خير طيب معناها مخلص ووفي .. أما إذا امتلأت نفس حبيبي أو زوجي بالشك ناحيتي فهذا معناه أنه يراني قبيحاً شريراً ، أي لست مخلصاً وفياً ، وهذا يتناقض تماماً مع الحب .. أي لا يحبني !

إذن الحب يقوم أول ما يقوم علي إدراكي لمشاعر الطرف الآخر نحوي وكيف يراني .. كيف يقدرني .. كيف يشعر بي .. كيف استطاع أن ينفذ إلي أعماقي .. كيف عشقني حينما لامس داخلي .. إن كل ذلك يبعث علي الطمأنينة .. لا طمأنينة إلا من خلال ثقتي بالرؤية الإيجابية لحبيبي لي .. هذه الطمأنينة تبعث علي السعادة والنشوة.

ولذا فالشك هو نقيض الحب لأنه يقوم علي الافتراض بأن الحبيب سيئ ، ولذا فالمتوقع منه الضرر والأذى .. وهذا أمر غير معقول وغير مقبول ويبعث علي الضيق والقلق والخوف والرغبة في الهرب .. لا يفسد علاقة حب إلا الشك .. ولا يفسد زواجاً إلا الشك ، ولا أقول إن الشك هو الرؤية القبيحة للحياة بل أقول إن الشك هو رؤية غير متوازنة للحياة.

والشك يجعل الحياة صعبة علي الطرفين .. والألم يكون نصيب الاثنين معاً .. كلاهما يتعذب .. كلاهما خائف .. كلاهما محروم من الطمأنينة .. ومواجهة هذا الموقف صعب جداً .. فالأمر يختلف تماماً عن موقف الغيرة .. الغيرة تقوم علي بناء نفسي يفتقد الثقة بالقدرات الذاتية ، أما الشك فيقوم علي بناء نفسي يفتقد الثقة بالناس! .. الغيرة نقصان ، أما الشك فهو فساد في مكونات النفس ، وليست مبالغة أن نقول إن الشك حالة مرضية ، وإذا قبلنا ذلك فالأمر يحتاج إلي مواجهة إنسانية تتسم بالعطف والأمل في الشفاء لإنقاذ أسرة .

يصاب الطرف بالصدمة حينما يتعرض للشك من حبيبه أو زوجه ؛ فالحياة يكون طعمها شديد المرارة في ظل الشك فهو كالسحابة السوداء الكثيفة التي تحجب نور الشمس!

الغيرة الزائدة كالصفعة على الوجه حتى لو كانت خفيفة فهي إهانة ، أما الشك فهو حالة مرضية.

الشك هو النتيجة الطبيعية لعدم شعور الإنسان بقيمته تجاه نفسه، كلما إرتفعت قيمتنا عند أنفسنا كلما عرفنا بأننا نعني أمرا مهما بالنسبة للطرف الآخر.

كما أن فك الإرتباط والتخلص من الإيغو ومنح الحب اللا مشروط يجعلنا متحكمين في النتائج التي نريدها. الشك يتفاقم بإحساس الإنسان بالعجز لكن عندما يملك الأدوات المناسبة للتغيير فهو ليس بحاجة للشك أو الغيرة.

كل ما في الأمر أن البشر تعلموا أن يقوموا بالأشياء بطرق بدائية لذلك يدافعون عنها ويعززونها في أنفسهم ويتناقلونها بينهم وكأنها مسلمات غير قابلة للتغيير.

أمر آخر يجب أن نقبل أن الناس يدخلون حياتنا ويخرجون لأسباب كثيرة. الغيرة أو الشك مجرد تعبير عن رفض هذا المبدأ. عندما نحاول تثبيت المتغير فإننا نتعب كثيراً .

أننا إذا جاهدنا أنفسنا للتخلص من الغيرة فسيبقى منها آثار باهتة وهذا ما تستقيم به الحياة. عندما نرفع درجة الوعي بالغيرة فإنها تكاد تتلاشى ولا يبقى منها إلا ما يصلح الحال.

أما أن أقول بأنني سأغير بنسبة ٢٪ فقط فهذا مستحيل لأن النفس سرعان ما تكتسب العادات السيئة ؛ لذلك نحن ندعو للتخلص منها بالمرة فإن بقي منها شيء فلن يتعدى نسبة مقبولة.

عندما يحاول أحد أخذ حبيبتي فإنني أشعر بالألم لكن الحكمة تقول بأنها قد تكون بحاجة لمزيد من الحـب ♥ لا المزيد من السيطرة!! ، إذا الحــــب هو الحل وليس الغيرة!

– – – –
س: ولكن ما رأيك فيمن يحب اثارة غيرة زوجته أو حبيبته حتى وان كانوا في احسن حال ..ألا يعتبر ذلك مستفزا لها ؟
المشكلة أن الدراما والقصص والروايات برمجت المرأة خاصة على أن من لا يحبك لا يغار عليك وربطت الحب بالغيرة لهذا تجد أغلب الرجال الان في أول علاقاته حتى يثبت حبه لأنثاه يحرمها حتى من الخروج والأنكى من ذلك هي تسعد بذلك!!

ج: المرضى النفسيين يملؤون الدنيا.. خصوصاً الرجال في كثير من الأحيان ينزعون إلى التلاعب بالمرأة عن طريق تهديد مكانتها في قلوبهم.. مازلت معجب بقدرة البشر على تناقل الحماقة من جيل إلى آخر !

د.عادل صادق ، عارف الدوسري

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : السعادة الزوجية,العلاقات

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..