حاجة الانسان الى الحب – العطاء في الحب

الحاجة الى الحب.. الحـب هو حاجة ملحة للنفس البشرية ، الحاجة للخروج من دائرة الذات المغلقة والاتجاه إلي ذات أخرى لكي نعطي ، لكي تقدم له كل شيء ، نحن لا نذهب إلي هذه الذات لكي نأخذ أو لكي نحقق منفعة ، ولكن نحن نتجه للحبيب لذاته لأنه هو الذي يعطي لنا الفرصة لكي نعطي ، هو الذي يتيح للنهر المنفذ والمصب ، وبدون المصب يتوقف النهر ، تتوقف الحركة ، يتوقف العطاء ، يصبح النهر ميتاً ، وهكذا حياة الإنسان تكون راكدة متوقفة إلي أن يحب ، فإذا أحب دبت الحياة في روحه وجسده ، يتحرك ، لينشط ، يعلو ، يسمو ، يبدع ، إذن الحب حركة ، فعل ، عمل ، حياة ، ووراء كل ذلك رغبة حقيقية في العطاء.

إذا أحب الإنسان نفسه فقط فإنه لا يستطيع أن يخرج من حدود ذاته ليحب الآخر ، وإذا كان الإنسان أنانياً أي يكره العطاء فإنه ليس بمقدوره أن يحب آخر ؛ لأن هذا الحب يفرض عليه طواعية واختياراً أن يعطى وألا ينتظر مقابلاً .

بمجرد أن يحب الإنسان يشعر أنه قد تحول إلي كيان نوري يشع بكل ما هو جميل ، يضفي الجمال والخير والبركة ، يستعذب الماء ليس لحبيبه فقط ، وإنما لكل الدنيا وبذلك ينجو بنفسه من عالمنا المادي الأناني.
.
إن الحب هو الطريق الوحيد الذي يأخذنا إلي جنة الأحلام بعيداً عن نار الواقع بماديته وأنانيته.

في جنة الحب تأتي ” أنت ” قبل ” أنا ” في واقعنا حين يخلو من الحب تأتي ” أنا ” قبل ” أنت ” ، وإذا سألنا أنفسنا كيف استطاع هذا المحب أن يخرج من حدود ذاته ويتجه إلي الطرف الآخر ؟ ماذا وجد في هذا الآخر حتى يجازف ويخرج من حدود ذاته وينطلق بشوق وحماس واقتناع ويقين ناحية هذا الآخر ؟ لماذا لم يتريث ؟ لماذا لم يحسب ويقدر ؟ ألا يخشي أن يندم ؟ ألا يترك الباب مفتوحاً لكي يتراجع إذا أراد ؟ والحقيقة أنه لا إجابة عن كل هذه الأسئلة ، إنه شيء كالحدس الداخلي أو كالإلهام ( اقرأ : الحدس او البديهة – العقل الباطن )

إذن فالحب ليس مجرد عاطفة أو رغبة ، إنه تحرك كلي للنفس نحو الآخر ، إنه إذابة لكل الحدود والفواصل ، الإنسان يتحرك بكل ما لديه وهل هناك أغلي وأثمن من ذاته ليعطيها بدون تحفظ لمحبوبه ؟ وبدون معرفة سابقة وبنفس الحدس والإلهام يدرك ما لدى المحبوب من إمكانيات هائلة كإنسان غير عادي ، من اللحظة الأولي يدرك ماهيته ، يدرك كم هو رائع وعظيم وجميل وأنه مؤهل للصعود إلي سماء الفضيلة والمثالية والكمال ولذلك نظرة المحب إلي محبوبه هي نظرة سامية ، ولذلك حين يطمئن قلبه ويسر خاطره ويشعر بالاكتمال ، هو الوحيد دون العالم كله الذي يمنحه هذه الأحاسيس السارة المطمئنة.

هو القوة وهو الحماية ، وهو السلام وهو الطمأنينة ، هو الركن الهادئ وهو الصدر الحنون ، يشعر بانجذاب شديد نحوه ولا مفر من الاندفاع إليه بإرادته وطوعاً وبرضا وسرور ، إنه شخص واحد فقط الذي يفعل بنا كل ذلك ، لا أحد غيره ، ولا يمكن استبداله ، ولا يمكن مقارنته بأي إنسان آخر ، إنه فوق الجميع ، هو الوحيد الذي يمنحنا السعادة والطمأنينة ، إنه الجنة الحقيقية علي الأرض ، وما الجنة إلا السرور والسلام .

وهذا النفاذ إلي ذات أخرى يحدث لذة قصوى ، إنها لذة معرفة إنسان إلي أقصي درجة ، فأي إنسان يبدو أمامنا لغزاً حتى أبينا وأمنا ، حتى أبناؤنا وبناتنا ، حتى أصدقاؤنا ، ولكن هناك شخص واحد نقترب منه اقتراباً شديداً ، ونظل نقترب ونقترب حتى نعرف دقائق نفسه ، فتحدث ألفة شديدة بيننا وبين دقائق هذه النفس فنحبه حباً شديداً ، وبذلك نفهمه من صوته ، من أبسط ملامح وجهه ، وبذلك ينكشف حجاب الإنسانية أمامنا ، ولأن هذا لا يتحقق إلا مع إنسان واحد فقط فإننا لا نستطيع أن نتخلى عنه أبداً ، لا نستطيع في يوم من الأيام أن نبتعد عنه نفسياً.

والغريب في الأمر أن هذا الفهم العميق وهذه المعرفة الأصيلة لهذا الشخص تتيح لنا أيضاً أن نقترب من عيوبه أكثر وأكثر ، ويا للعجب نجد أننا نحب هذه العيوب ، فهذه العيوب النفسية أو الشكلية هي جزء من هذا الكل الذي أحببناه ، علي المستوى الشكلي نجد شيئاً من هذا يحدث ، فإذا كان حبيبنا أصلع أو معوج الأنف ، أو له أسنان بارزة أو قصير القامة ، أو لا يرى إلا بالكاد أو حتى لا يرى علي الإطلاق ، إذ بنا نحب حباً شديداً هذه العيوب ، فهذا الشيء المعيوب هو جزء من الكل ، جزء من الإنسان الذي أحببناه .. ينتمي إليه .

وحتى العيوب النفسية أو الأخلاقية التي يفزع منها الناس لا تكون سبباً في ابتعادنا عن المحبوب ولا نأخذ منها موقفاً ناقداً مثل بقية الناس ، فنحن نستطيع عن طريق الحب رؤية الجانب الطيب الحقيقي في هذه الشخصية الإنسانية ، فنحن في الحقيقة لا نحب إلا إنساناً طيباً ، لا نستطيع أن نحب إنساناً شريراً ، شرير بمعنى أنه لا عواطف ولا قلب له ، أناني ، بخيل ، يسعد بإيذاء الآخرين ، حاسد ، حقود ، هذه صفات تبعدنا عن أي إنسان ، ولكن قد يبدو إنسان أنه بخيل أو حاقد أو عدواني أو غير أمين ، هذه هي الظواهر التي يراها كل الناس ، ولكن يأتي الإنسان الذي أحبه والذي استطاع أن يخترق حواجز ذاته وأن ينفذ إلي جوهره وإلي أعمق أعماقه فيري إنساناً مختلفاً عن الذي يراه الناس ، يرى الجانب الطيب الأصيل ويرى النفس الأصيلة ، أما العيوب التي يراها الناس فإنه وحده – أي المحب – هو الذي يستطيع أن يتتبع جذورها ويعرف أسبابها ومصادرها ، يستطيع أن يراها كعوارض مؤقتة ، وأنه يستطيع أن يخلصه من هذه العيوب ليس فقط ليبدو جميلاً ومقبولاً أمام الناس ولكن ليخلصه من المعاناة ويخلصه من الأسباب التي أدت إليها ولكي تنسجم كل أجزاء الجسم مع بعضها .

هذه هي روعة الحب ، روعة أن ننفذ إلي أعماق إنسان ونفهم أدق خبايا نفسه وخبايا روحه ، وأن ينفذ هو إلي أعماقنا ، ولهذا فهي علاقة أبدية ، علاقة فريدة ، علاقة لا تتاح إلا مرة واحدة في حياة قلة من البشر ، علاقة ندافع عنها حتى الموت ، علاقة نؤمن بها ، ونؤمن بالإنسان الذي أسهم معنا في خلق هذه العلاقة ، أي نؤمن بالحب وبالمحبوب وبأنفسنا ، نؤمن أن حبنا يستحق المخاطرة والقوة ، والشجاعة ، والتحدي حتى وإن اتحدت كل قوى العالم ضدنا فالمحب كالفدائي الذي يؤمن بوطنه ويحبه ويخاطر بحياته من أجله.

قد لا يرى الناس وجهة نظرنا ، قد يختلفون معنا ، قد يدينون بشدة ذلك الإنسان الذي أحببناه ، قد يؤمنون بقيم مختلفة ، ولكن يأتي المحب فيرى ما لا يراه الناس ، ويرى أن محبوبه يستحق أن نضحي ، وأن نتألم وأن نناضل من أجله ، وأنه يستحق أن نهبه حياتنا طوعاً ورضا ، ولذلك فالعاشق هو إنسان مؤمن شجاع مخاطر جرئ مناضل يكره الضعف والاستسلام ، لا يضحي بقلق الحب من أجل سلام زائف لا ينعم به غير المؤمن ، قلق الحب عنده أروع وأعذب من سلام الموتى ، بل يتمسك بالصعاب التي تواجه من أجل أن يتحداها وينتصر عليها ويظفر بحبيبه ويحافظ علي حبه ويطير بعد ذلك إلي سماء السعادة الحقيقية .

يرتفع بحبه وحبيبه إلي أعلي سماء حيث يكونان معاً ، وحدة قائمة بذاته وبذلك يصبح لا شيء قابل للمقارنة أو الحساب ، إن حبه مطلق وحبيبه مطلق ، وبذلك يعانق اللامحدود واللامتناهى والمطلق .

هذه هي قمة كسر حدود الذات والانطلاق إلي حيث جوهر المحبوب ، أرض جديدة ، سماء جديدة ، بل كون جديد ، كون المحبين.

هذا الحب لا بداية له ولا نهاية ، بدأ من قبل أن يلتقيا ، هي خلقت له وهو جعل لها ، لم يكن من الممكن أن تحب شخصاً آخر غيره ، وهو لم يكن من الممكن أن يحب إنسان أخرى غيرها ، ولهذا فإننا لا نسمع من المحب عبارات مثل : أحبك لأنك طيب أو لأنك جميل أو لأنك ذكي ، لا علة ، لا سبب ، لا تاريخ ، لا شيء محدد … إنه حب الروح.

ولم يكن ليستطيع أن يجعلني أخرج عن ذاتي طوعاً واختياراً وأتخلى تماماً عن حريتي بإرادتي إلا أنت ، ولولاك أنت بالذات لما تملكتني الشجاعة لأخرج عن حدود ذاتي لأخترق ذاتك وأدخل إلي صميم جوهرك ، ولذا لا فناء للحب ، إنه يستمر حتى بعد الموت…

د.عادل صادق

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : مقالات عن الحب

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..