كلمات في الحب – الحب الصادق

من أهم سمات الحب الحقيقي الصدق ، أنها أصدق علاقة .. يصدق الإنسان مع نفسه ويصدق مع حبيبه ، في هذه العلاقة السامية يكون الإنسان نفسه ، ذاته ، يكون هو علي حقيقته ، بلا قناع.

وهو يشعر أنه محبوب لما هو عليه ، بدون تزيين ، هو وحده يكفي فهو الجمال الحقيقي وهو القمة ، وتلك أحد جوانب السعادة الحقيقية في الحب .

ولهذا فالإنسان يسلم نفسه ، يسلم حريته ، يخضع بإرادته بلا تحفُظ ، يعطى نفسه بالكامل ، يخضع بلا شعور بالهزيمة .. بلا إجبار ، وتلك هي الحرية الحقيقية في أعظم صورها وهي أن يخضع الإنسان بإرادته طوعاً ليس خضوع المهزوم ، ولكنه خضوع القوى الشجاع المؤمن ، المؤمن بالحب ، المؤمن بالطرف الآخر.

وطالما أن هناك طرفاً يخضع فمعنى هذا أن الطرف الآخر يتم الخضوع له ، أي طرف يغزو وطرف يخضع ، طرف يُسلم حريته وطرف يحتوى هذه الحرية ويكون مسئولاً عنها ، وهي مسئولية ضخمة رهيبة ، مسئولية تحتاج إلي نضج وتوازن نفسي وقوة إيمان وشجاعة ( اقرأ: الحب الناضج ) ، فهذا هو إنسان قد جاء تطوعاً وخضع له وسلم له حريته ، فأصبح حينئذ مسئولاً عن هذه الحرية ، مسئولاً عن تسليم إنسان له ، واحتواء هذه الحرية يحتاج إلي شجاعة واقتدار. فهو ليس غازياً منتصراً والآخر خاضعاً مهزوماً ، بل الآخر الخاضع شجاع ومؤمن لأنه محب وعاشق.

والأمر يتطلب من الطرف الغازي أن يكون أكثر قوة وأكثر شجاعة وأعمق إيماناً حتى لا يرى الأمر من منظور الانتصار والهزيمة ، فالطرف الآخر لم يخضع له بسبب قدرته الغازية أو بسبب ميزاته الشخصية ، إنه قد خضع له واستسلم له وأعطاه كل شيء لأنه أحبه ، أحبه كله ، أحبه كما هو ، أحبه بعيوبه ونقائصه ونقاط ضعفه ، ولكنه رأى نوره الداخلي ، رأى شجاعته وقوة إيمانه ، أدرك مثاليته الكامنة في أعماق نفسه والتي يقترب لها كل يوم يعيشه في هذا العالم ، أحبه رغم اختلاف الناس عليه ، وحين أحبه سلم له حريته لأنه وثق به ، ولا يمكن أن به إلا إذا أحس أنه إنسان صادق ، إنها لحظة حاسمة أو منعطف مهم في بداية علاقة الحب ، لحظة الصدق أو منعطف الصدق ، أحبك فأثق بك لأنك لو لم تكن صادقاً لما أحببتك ، ولأني أحببتك فأنت صادق ولهذا أثق بك ، ولذا فأنت أهل لأن أخضع لك ولأن أسلمك حريتي لتكون مسئولاً عنها .

وهي متعة كبري ، متعة التسليم ، إنها من أروع أحاسيس الحب ، إنه الإخلاص كله والانتماء كله ، ذلك هو جوهر الإخلاص أو ذلك هو فعل الإخلاص ، وكيف لا يخلص الإنسان وقد اختار طوعاً وبإرادته – أن يسلم حريته لإنسان آخر وأن يخضع له ، إنه هو وحده الذي يستحق ، ليس من قبله وليس من بعده ، ولا شبيه له ولا مثيل له ، إنه هو الأعلى والأسمى والأكمل والأصدق والأجمل ، إنه الوحيد الذي أثق به ثقة كاملة في هذا العالم كله ، إنه الصدق ذاته ، وجوهر علاقتنا الصدق ، ولذا فأنا بدون تحفظ استسلم له ، اخضع له ، وهو قادر علي احتواء هذا الخضوع الكامل.

وهذه هي روعته ، روعته في أنه استطاع أن يحتوى حريتي وأن يشعرني – في الوقت ذاته – بقمة استقلاليتي ، بقمة حريتي ، بقمة شعوري بذاتي ووجودي ، بحيث أستطيع أن أقول إن خضوعي له جعلني أتيقن من حريتي الكاملة ومن إرادتي التامة ، أتيقن من أن وجودي له معنى ومبرر ، وأن لي ذاتاً حقيقية ، إنني إنسان حقيقي وهذا ميلاد جديد لي وبداية حقيقية لعمري .. مستوي آخر من العلاقات الإنسانية ، يحدث هذا فقط في الحب الحقيقي ، أي لا بد أن يكون حقيقياً لأنه في الحب الزائف يسعي الإنسان للامتلاك والسيطرة والقهر .

في الحب الزائف هناك صراع وأنانية ، أما الحب الحقيقي فهو تسليم وأمان وسلام وثقة لأن هناك صدقاً ، وظاهرة الغزو والخضوع قد تبدو غير ديمقراطية ولا يمكن أن تحقق معاني الاستقلالية والتفرد والتميز والوعي الكامل والإرادة المطلقة ، كيف يكون الإنسان حراً وفي الوقت نفسه خاضعاً ؟!

ذلك هو الأمر الغريب والمحير في الحب ، ذلك هو سر الحب ، وهذا هو مصدر السعادة القصوى والمتعة الروحية التي هي بلا حدود ، وذلك هو الشعور بالأمانة والطمأنينة.

فالإنسان لا يسلم نفسه إلا لمن يثق به ، ولا يثق إلا بمن يكون صادقاً ، وهو حين يسلم نفسه يعلم تماماً أنه يقدم نفسه هدية لمن يستحق ، وهي هدية غالية جداً ، وهو يعلم أنه حين يقدم هذه الهدية فإن الطرف الآخر سوف يقدرها حق قدرها ، بل سوف يفصح أنه لا يستحق هذه الهدية العظيمة ، وأنه ليس أهلاً لها ، هنا فقط يشعر من قدم الهدية أنه قدمها فعلاً لمن يستحقها ، وهذا الذي يستحقها سوف يشعر بالخوف من تلك المسئولية العظيمة ، ولكن لأنه هو الآخر عاشق ومحب فإنه سوف يتقدم بشجاعة ، سوف يحمل هذه الشمس العظيمة في يمينه ، سيعلن أنه سيكون مسئولاً ، سيقول لمن خضع له : إنك ما دمت قد سلمت لي نفسك وحريتك فسوف أكون مسئولاً عنك ، سوف أرعاك وأحميك ، إنني أحترمك وأؤمن بك ، سوف أعطيك أنا الآخر ذاتي ولك حياتي ، سوف أهبك نفسي ، فإذا الذي يعطي يأخذ أكثر مما أعطي ، وإذا الذي يسلم يمتلك ، وإذا الذي خضع يشعر أنه عظيم في خضوعه رفيع في استسلامه ، كيف إذن يرتفع من يخضع ؟ كيف إذن يمتلك من يستسلم ؟ كيف إذن يتحرر من يهب حريته ؟! كيف إذن ينفرد ويستقل من يحاول – جاهداً – أن يذوب وأن يتوحد ؟ هذا الحب ، هذا هو سر الأسرار ، هذا هو المعنى العميق الغريب ، هذا هو التسامي والقدسية .

ومن الذي يخضع ومن الذي يغزو ؟ المرأة أم الرجل ؟ وهذا أيضاً من أسرار الحب ، أنت قد لا تعرف من الذي يخضع ومن الذي يغزو ، وبهذه الصورة العجيبة يكون الإنسان غازياً وخاضعاً في الوقت نفسه لا فرق هنا بين الرجل والمرأة ، ليس هناك إلزام أن يلعب الرجل دور الغازي وأن تلعب المرأة دور الخاضعة.
لو أننا فهمنا معنى الغزو والخضوع في الحب لعرفنا أن هذه ليست أدواراً مرتبطة بنوعية الجنس ، إنها أدوار تلقائية مرتبطة بانطلاق الشرارة الأولى ومرتبطة ببعض خصائص الشخصية ، إلا أن المرأة – مع بداية العلاقة – تأخذ دوراً معيناً يمكن أن نطلق عليه دور الأنثى أو سلوك الأنثى وهو نابع من تكوينها وصياغتها كأنثى ، أي هكذا تكون الأنثى ، أو هذا دورها في عملية الحب ، وبالتالي يكون هناك دور للرجل ، ولا يوجد هناك تحديد قاطع وحاسم يفصل بين دور الرجل ودور المرأة ولكن هكذا يكون المسار الطبيعي لكل منهما والذي ينسجم مع التكوين الداخلي لكل منهما.

وهنا يلعب الخيال دوره ، الخيال مع الواقع في امتزاج جميل لا يحدث إلا في الحب ، ولا بد من قدر من الخيال في الحب ، إنها علاقة رومانسية تعتمد في جزء منها علي الوهم الجميل ، علي الحلم ، الحلم الذي يريد الإنسان أن يحققه علي أرض الواقع الصلبة.

وليس مستغرباً أن تكون المرأة في البداية هي الغازية والرجل هو الخاضع ، مثلما نجد في أحوال أخرى أن يكون الرجل هو الغازي والمرأة هي الخاضعة ، إذن ليس هناك حتمية لدور معين يختص به الرجل أو المرأة ، كما أن الأمر ليس بسيطاً كما يبدو ، وخاصة إذا عرفنا أنه في عملية الحب الحقيقي لا يوجد إغراء أو محاولات اجتهادية من طرف لشد انتباه الطرف الآخر.

كما أن الانجذاب لا يحدث لوجود مزايا ولكنه شعور دائم شامل يحرك الإنسان ويدفعه نحو الإنسان الآخر ، وكأنه ظل يبحث عنه سنوات عمره التي مضت حتى وجده فجأة أمامه ، إنه النور المباغت في وسط ظلمة حالكة يبعث علي الدهشة ويذهب بالعقل في لحظات أشبه بالذهول.

إذن لا تعمُد ، لا خطط ، لا محاولات إغراء ، لا اجتهاد في إظهار مزايا وإخفاء عيوب ، إنه شعور يقيني صادق بأن هذا الإنسان خُلق لي وأنا خُلقت له ، ولهذا يتحرك أحدهما نحو الآخر أو يتحرك كلاهما معاً ، كل منهما نحو الآخر ، وكما قلنا فإن ما يحدد الدور الغازي هو من اندلعت لديه الشرارة الأولي والتي قد تسبق الشرارة التي اندلعت لدي الطرف الآخر بجزء من الثانية .

والأمر أيضاً يعتمد علي خصائص شخصية كل منهما ، ولكن مما لا شك فيه أن مسار العلاقة بعد ذلك يحتاج إلي دور أنثوي ودور ذكري ، إنه التكوين الطبيعي الرباني ، إنه ناموس الحياة وقانونها الثابت والذي تخضع له كل الكائنات.

المرأة عموماً تريد أن تُسلم نفسها طواعية وكلية للرجل الذي تحبه ، الرجل الذي حين رأتك اندلعت في كل كيانها شرارة الإحساس الأولى ، تيقنت أنه رجل الرجال ، الرجل الأوحد ، الرجل المُكمل لها ، ليسه من قبله ولا من بعده ، الصادق الذي أثق به فأخضع له ، أسله حريتي ، أهبه نفسي ، أهبة حياتي ، وما أعظمها وما أثمنها من هدية .

كيف يحصل رجل علي هذه الهدية العظيمة ؟!
كيف يحصل رجل علي حب امرأة ؟
ماذا يفعل ؟
ماذا يقدم ؟
ماذا يمتلك من مواهب وإمكانيات ؟
أي جهد يبذل ؟
أية خطة يرصدها ؟

لا شيء ، لا شيء علي الإطلاق ، بل إنه لو أنفق كل مــال الأرض لما استطاع أن يحصل علي حب امرأة فقيرة بسيطة ترعى الأغنام ، إن حب المرأة شيء غالي وثمين ، شيء لا يقدر بمال الأرض جميعه ، شيء لا تستطيع أن تحصل عليه حتى ولو كنت تملك كل مزايا الرجال مجتمعة.

المرأة تُعطى بإرادتها ، بحريتها ، باختيارها ، يستطيع الرجل أن يغتصب امرأة ولكن لن يحصل عي روحها ، قلبها ، عواطفها ، وجدانها ، مشاعرها ، عقلها ، كلها ، في الاغتصاب يحصل الرجل علي جسد ميت!!

إن أي رجل ذكي يستطيع أن يكون ثرياً مشهوراً عظيماً ناجحاً في مجالات متعددة ، ولكنه لا يستطيع أن يحصل على روح امرأة بإرادته وحدها ، إن روح المرأة هي الهدية التي لا يستطيع منحها إلا المرأة ذاتها .

والمرأة لا تُعطي هديتها الغالية ، أي نفسها ، إلا لمن يستحقها عن جدارة ، وهي لا تبغي شيئاً مقابل هديتها ، إنها تُعطي نفسها بسخاء وكرم وطيب خاطر ، إنها تغزوه بهديتها ، تغزوه من أجل أن تخضع له ، تقتحمه لتستسلم .

إنه فعل فريد ، تجربة فريدة غير قابلة للوصف ، إنها بهذه الهدية ، تبعث نبض الحياة في الرجل ، إن الجثمان الميت تُبعث فيه الحياة ، بفعل هذا الحب الذي تمنحه امرأة ، وهي منحة ذات قيمة لا نهائية ، وما هو الأغلى من الذات الإنسانية ؟ ما هو الأغلى من الوعي الداخلي لإنسان ؟ ما هو الأغلى من جوهر الإنسان ؟ إن مركز الوعي يجعل من نفسه هدية للطرف الآخر ، إنه يقدم منتهى التضحية وذلك لأنه يعطي الشيء الأكثر قيمة في الكون ، وهو تصرف نابع من الحرية الخالصة ، لا يوجد أي سبب أو احتياج يجعل المرأة تمنح هذه الهدية إلا أنها أحبت.

والمرأة تفعل ذلك بإصرار داخلي ، وهي لا تتوقع أي شيء في المقابل ولا تلقي بشروطها علي الطرف الآخر : أنا لا أريد منك شيئاً ، وليس عندي شروط ، فقط أنا أحبك ، فقط أنا أمنحك ذاتي ، فتتقبل هديتي ولا تفعل شيئاً ، ولا تتحرك ، لا تنشغل بشيء.

لكن كن أنت ، كن في موقعك ، وسأنتظر عشرين سنة حتى تقول لي أحبك ، قد يكون هذا هو منتهى أملي يكفى أنك موجود ، يكفى أنني أستطيع أن أراك ، فقط كل ما أتمناه أن تقبل هديتي ، أن تقبل ذاتي ، أن تمسك حريتي بيدك ، تصرف بتلقائية خالصة ، أنت بهذا يا حبيبي تخلق شيئاً من لا شيء ، تخلق حُباً ، إننا الآن اثنان بدلاً من واحد.

يشعر الرجل بالخوف ، بالقلق ، بالرهبة ، وذلك لكون المسئولية كبيرة ، إن المرأة الغازية الخاضعة تُحمل الرجل فوق طاقته ، ترى فيه ما لا يراه هو في نفسه ، تراه كاملاً ويرى نفسه ناقصاً ، تراه جميلاً وهو لا يرى نفسه كذلك ، تراه عظيماً ويرى نفسه عادياً ، تُحمله مسئولية حرية إنسان وهو غير قادر علي تحمل هذه المسئولية .

ولكنها حين تمنحه نفسها فإنها تمنحه وعيها الداخلي فإذا به يري نفسه بوضوح في مرآة هذه الذات العاشقة يرى نفسه لأول مرة ، فإذا كل ما حققه في الحياة يتضاءل أمام هذا الإنجاز العظيم ، وهو أنه حظي بحب امرأة ، إنجاز لم يبذل جهداً من أجل الوصول إليه حظي بتسليمها وخضوعها وامتلاكه لإرادتها وحريتها ، يشعر بأنه يُعاد خلقه من جديد كمخلوق متكامل ، يشعر أنه أمام تجربة عظيمة ، ميلاد جديد ، حياة جديدة ، معاني جديدة أول تجربة للتلاحم الإنساني ، الاكتمال ..

المرأة هنا اختارت أن تعطى والرجل تلقى الهدية هنا تكمن أسباب وفاعلية وأهمية الغزو والتسليم ، الغزو يعني أن الواحد أصبح اثنين دون أن يفقد الفرد فرديته وشخصيته ، وبالمثل فإن التسليم يعني أن الواحد قد أصبح اثنين دون التلاشي ، إن المرأة لا تتلاشي أو تتبخر أو تنصهر بل علي العكس فهي تحتفظ بالتكامل ، والرجل لا يحطم المرأة حين تغزوها وحين يتقبل حريتها ، بل هو يراها كذات فريدة متميزة متكاملة غاية في الروعة رائعة الحسن مثيرة لكل خيال وجمال جديرة بالاحترام والتقدير ، إنها تعيد خلقه وهو يعيد خلقها .

إن إمكانية الانصهار في عناق شديد مع الإبقاء علي الفردية في الوقت نفسه هو جوهر الوجود كله ، تقول المرأة للرجل وهي تقدم هديتها : لقد استطعت الوصول إلي أعمق أعماق ذاتي دون أن تبذل مجهوداً ، استطعت أن تلمس جوهر وعيي ، إنني أشعر أنني تحت سيطرتك تماماً ، وهنا يشعر الرجل بأنه أمام حدث مهم في حياته ، حدث يهزه هزاً ، ضوء ساطع يتسلط علي داخله فيضيئه ويبهره ، إنه يرى ذاته من خلال هذه المرأة العاشقة ، لقد كان هو مرآتها وهي الآن مرآته.

يشعر الرجل بسعادة فائقة ، ليس زهواً وليس غروراً ، وليست سعادة الإنسان العادي حين يخضع له إنسان آخر ، فهذا ليس خضوع الذل والانكسار أمام قوة غاشمة ، إنه خضوع إرادي لا يقدره إلا الإنسان الناضج المتكامل السوي نفسياً ، حين يشعر الرجل بهذه السعادة الطاغية وحين يرى ذاته علي مرآة وعى هذه المرأة فإنه يكون قد وقع في حبها ، فيقترب ويدنو ، يهب ويمنح ، يعطى ويسخو ، يقدم ذاته ، أي يغزو ، يغزو دون أن يطلب خضوعاً ، فتخضع المرأة ، تستسلم .. تسلم .

وإذا أمعنا النظر واقتربنا أكثر وأكثر وأرهفنا السمع إلي خلجات نفس المرأة لاكتشفنا أن التسليم هو أكثر التعبيرات رقة في وصف الأنوثة ، التسليم يتيح للرجل أن يشعر برجولته ، بهذا يحدث الاتحاد بين الذكر والأنثى ، سر الوجود ، سر الخلق ، سر الإبداع.

فالأنوثة لا تتحقق إلا من خلال رجل أو بالأحرى من خلال حب رجل .. هنا فقط تتحقق المرأة من أنوثتها ولهذا فإنها باندفاع واعي ولهفة مطمئنة وتسرع واثق تضع نفسها تحت إمرة هذا الرجل وتهبه كل شيء بدون تحفظ وتدافع عن علاقتها به حتى الموت ، تتحدى ، تناضل ، تتنازل عن أي شيء ، المهم ألا يضيع منها .

هذا الرجل الذي أحبته ووثقت به وتوسمت فيه الصدق ، وحقق لها إحساسها المتكامل المتعاظم بأنوثتها ، تكون في قمة سعادتها بل في أعلى قمة في الوجود حين يحبها … هذا الرجل الذي أحبته ، هي اختارته ، هي أقبلت عليه ، هي عزته ، هو استسلم لها ، هو أحبها ، هي خضعت له ، هي علي استعداد أن تعطيه كل شيء ، هي أسعد امرأة في العالم لأن الرجل الذي أحبته أحبها ، تشعر بالاكتمال والامتلاء والشبع ، هي الآن أمسكت نجوم السماء بيديها ، ولا يمهما أحد إلا هو.

هو كل الناس مجتمعين ، هو فوق الجميع وقبل الجميع ، هو فقط الذي تتزين من أجله ، لا تقلق بشأن شكلها مظهرها إلا حين تكون معه ، لا تشتاق لأحد إلا له ، وإن كل شيء يكتسب معنى به ومن خلاله ومن أجله ماضيها كان استعداداً للقائه ، وحاضرها مسخر له ، ومستقبلها مدخر له ، إنها امرأة به وأنثي من خلاله .

ويتملكها شعور يقيني أنه لا يستطيع أن يعيش بدونها ، أنها أصبحت كل شيء بالنسبة له ، أنها تسرى في دمائه ، ولهذا تتفاني في إرضائه ، في خدمته ، في الاستجابة لكل طلباته ، ويسعدها ويلذ لها أن تدعم عنده دور الغازي ، وأن تؤدي هي دور الخاضع المستجيب لكل طلباته السعيدة بتعبها وتضحياتها من أجله .

إن الحب هو كل حياة المرأة ، ولهذا فإن أي شيء تقدمه لا يُعتبر شيئاً في نظرها في سبيل أن تنعم بلحظة وصال مع حبيبها .. إنها علي استعداد أن تفعل أي شيء وأن تبذل أي شيء .. إنها تسعد بحبها له ، سعادتها في حبها ، أما الرجل فيسعد بحب المرأة له ، وهي تريده لذاته ، ليكون موجوداً ، وأن تبذل له أي شيء .

هذا هو الفرق بين المرأة والرجل ، ولذا فهي الغازية الخاضعة منذ البداية ، ثم تستمر خاضعة لتتيح للرجل أن ينعم بحبها وخضوعها واستسلامها وتنشط هذا الجزء الذكري الغازي فيه ، ثم تتيح له بعد ذلك نعيماً أن يخضع ويسلم حين يهيم بها حباً وشغفاً فتنعم هي بحبه ، ولذلك فإن الرجل في مسار العلاقة يؤدي معظم الوقت دور الغازي والمرأة تؤدي معظم الوقت دور الخاضع المستسلم حتى كادت أن تصبح هذه هي السمة العامة لدور الذكر ولدور الأنثى ، ولا شيء يحقق رجولة الرجل إلا امرأة .

حتى أشهر القادة العسكريين الغزاة في التاريخ وأكثرهم نجاحاً وانتصاراً وقوة فإنه حين يخلو الواحد منهم إلي نفسه لا يجد إلا المرأة التي يحبها وتحبه لتؤكد له قدراته الحقيقية ، قدراته الإنسانية ، قدراته كقوة روحية قادرة علي بعث الثقة والطمأنينة في نفس المرأة عن طريق صدقه ، هذه هي القوة الحقيقية ، هذه هي الشجاعة الحقيقية ، هذا هو الإيمان العميق .. هذه هي الرجولة .

عادل صادق

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : الحب الحقيقي

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..