معنى الحب الحقيقي الصادق – ما هو الحب

أهو وهم جميل يبدو من صدقه وكأنه واقع ، أم هو حلم رائع يبدو من وضوحه وكأنه حقيقة ، أم هو خيال ساحر يبدو من شدة الاستغراق فيه كأنه حقيقة حقاً أم هو الحقيقة كل الحقيقة ؟

أنحب بالقلب أم بكل الجسد ؟ أنحب بالروح أم بالنفس ؟ أنحب بالفكر ام بالوجدان ؟ ومن هو الإنسان المؤهل ليعطينا تعريفاً للحب ؟ الذي أحب أم المحروم من الحب ؟ الذي قاسي من الحب أم الذي سعد به ؟ الذي يؤمن بوجود الحب أم الذي يعتقد أنه زيف ووهم ؟ من ذا الذي يتصدي لأهم قضية شغلت الإنسان حين وطأت قدماه الأرض ؟ وهليحب الإنسان ليعيش ام يعيش ليحب ؟ هل الحياة ممكنه من غير حب ؟ وهل هناك من لم يحب قط فى حياته ؟

وهل يتشابه حب إنسان مع حب إنسان آخر أم كل حب هو تجربة فريدة مستقلة لا يمكن مقارنتها بحب آخر ؟ وهل الحب تجربة مركزية محورية فى حياة الإنسان أم هو تجربة هامشية ؟ وهل الحب يجلب السرور أم يجلب الأحزان ؟ هل الحب يضيف أم يأخذ ؟ وإذا أضاف فماذا يضيف ؟ فهم جديد ؟ ، وعي جديد ؟ ، طاقة ؟ ، قوة ؟ ، حيوية ؟ ، إبداع ؟ ، ثقة ؟ ، جمال ؟ ،…

وهل الحب مجرد انفعال أم عاطفة صادرة عن الوجدان أم هوحقيقة استعابية شاملة يدخل فيها الإنسان بكليته أى بروحه ووجدانه وعقله وفكره وجسده ، ويدخل فيها بتاريخ ماضيه وحاضره ومستقبله ، وبه يتحرك الإنسان ويبدع ويضيف .

يسكن ويسلك ، يقف ويمشي ، يصعد ويهبط ، يتفاعل ويسكت ، اى أنه عاطفة وفكرة وفعل ، أى أنه يشمل حياة الإنسان بكل جوانبها أم هو الحياة ذاتها ، أم هو عين الحياة وقلبها ، أم هو الذي يعطي للحياة قيمة جديدة ومعني عميق !؟

وهل يجوز أن نحدد أنواعاً وأنماطاً وأشكالاً من الحب ؟ هل هناك حب حقيقي وحب زائف ؟ حب صحي وحب مرضي ؟ وهل هناك فروق جوهرية بين أنواع أو أشكال الحب المختلفة مثل حب الأم ، وحب الصديق ، والحب العشقي لإنسان من الجنس الآخر ؟

في رأيي الشخصي أن المحبوب يأتي قبل الحب ؛ نلتقي بالمحبوب فنعرف الحب ، حقيقة يجب أن يكون الإنسان مؤهلاً ؛ لأن يحب ثم يأتي المحبوب فيفجر كل طاقات وإمكانيات الإنسان المؤهل لتلك المهمة العظيمة وذلك الفتح المبين في حياته ، وتلك الإطلالة على كل الخير ، وكل الجمال في الكون ليعيش سعادته مع المحبوب ، وبالمحبوب ، ونٌعطي لتلك العلاقة اسم ” الحب ” .

ولا يمكن استبدال المحبوب بشخص آخر ؛ لأن إنساناً واحداً فقط هو الذي يستطيع أن يحرك لدينا تلك العاطفة التي تستحيل بعد ذلك لتصبح مركز الحياة أو جوهر الحياة ، وتضفي كل المعاني .

هو الذي يكشف لنا عن احتياجاتنا ، وبالتالي لا نقول أننا نحب لتلبية أو إشباع احتياجات معينة بل هذه الاحتياجات لا تظهر إلى الوجود إلا حينما تلتقي بالمحبوب ، ولهذا فلا نفعية لطرف على حساب الآخر في الحب ، لا مكسب مادي يبحث عنه الإنسان ، لا طموحات وأهداف يسعي لها ويريد تحقيقها من خلال المحبوب أو عن طريق الحياة وهذه هى البراءة في الحب ، وتلك هي التلقائية وذلك هو التواضع وتلك هي البساطة ، إنه النور الذي يكشف عن كنوز الذات ، وكنوز الدنيا ، وهذا النور مصدره من نحبه ، أي أننا لم نكن لنكتشف ذواتنا ولا كنا عرفنا احتياجاتنا ولا أدركنا معني جديد وعميق للحياة إلا حين التقينا بهذا الكائن الذي استحال إلي محبوب .

لذلك فالحب ليس مهارة خاصة ولا حاجة إلى تعليم ، وإنما هو نزوع فطري ، والنزوع الفطري هو ذلك الاستعداد الخاص للروح كي تكون قادرة على معرفة الحب حين تلتقي بالمحبوب ، ولذلك فالمحبوب هو النصف المكمل لنا ، والذي حين نلتقي به تكتمل الصورة فيتحقق المعني بالكامل والشعور بالتكامل ، تكتمل الدائرة فتنطلق شرارة الحياة الحقة لتدفيء وتنير وتشع وتشبع وتنجز وتثري ، نماءاً وخصوبة ، أزهاراً وإثماراً وعطاءاً ، إنه تزاوج الأرواح لتتناسل ، وتناسل الأرواح غير تناسل الأبدان ، الأرواح تتناسل بشكل آخر وتنتج أشياء أخري ، وتولد أجساماً من نوع آخر ، الأرواح حين تتناسل تولد حباً وخيراً وقيماً ومعاني للحياة وإبداعاً من نوع آخر ، هو الإدراك للكمال الكلي الشامل المطلق ، إنه أسمي درجات الخير وقمة درجات السعادة والتحقق لأجل معني للإنسان .

ولهذا فعلاقة في الحب الحقيقي لا يمكن ان تقوم إلا مع إنسان واحد ، إنسان معين ، نصف مكمل ، لا بديل له ، ولا استغناء عنه ، وهذه هي المشكلة ، فالحياة قد تكون ممكنة ومحتملة إلى حد ما قبل أن نلتقي بالمحبوب ، ولكن بعد أن نلتقي به ونكتمل به ونعيش حياة الحب وحب الحياة معه فإنه يكون من المستحيل الاستغناء عنه ، فالموت أرحم من فقده ، وطالما أنه شخص واحد ؛ فالإخلاص كله يكون له وبذلك يصبح الإخلاص هو صميم الحب ، وحتى إذا حاول المحب عبثاً أن يلعب لعبة انه غير مخلص فإنه يفشل ولهذا لا فضل للمحبين لإخلاصهم ولا جائزة يستحقونها على هذا الإخلاص وهذا الإخلاص في الحب ليس فعلاً إرادياً .

وإذا كان المحبون – فرضاً – غير مخلصين قبل الحب فإنهم يصبحون مخلصين بعد ذلك والفضل للحب ، إلا أنه يجب التأكيد هنا على أن النزوع الطبيعي لكل إنسان لديه الاستعداد لأن يحب أن يكون مخلصاً … الإخلاص هو سمة من هو مؤهل للحب ، ولكن الممارسة الفعلية الكاملة للإخلاص لا تكون إلا بعد أن يلتقي بنصفه المكمل ، ويكون هذا تجاوباً طبيعياً ، لا مجاملة فيه ولا تعمد ، ولا محاولة للحرص على التمسك بمكارم الأخلاق .

ولذلك فالحب هو الطريق العظيم للترقي ، للصعود والسمو ، فإذا قلنا أن صميم الحب هو الإخلاص فإن هذا الإخلاص يولد قيماً عظيمة أخري كالوفاء والمسؤولية ، والرعاية ، والعطاء ، والاحترام ، والنزاهة ، إنه كل القيم مجتمعة ، وهو التجسيد الحقيقي للضمير الإنساني ووسيلته إلى عالم الطهارة ، والخير ، والجمال ، والحق .

كل هذا يأتي بغتة في لحظة ، مصادفة رائعة ، إلهام مباغت ، المهم أنه لا أسباب ولا مبررات مادية ، لماذا نحبه ؟ لأني أعشق روحه ، ولماذا هو بالذات ؟ لأنه هو الذي كان يجب أن أحبه ، هو الذي كنت ابحث عنه ، هو الذي كان في روحي وخيالي ووجداني ؛ ولهذا فالأصح أن أقول أني أحببته ثم قابلته لا أن أقول قابلته فأحببته .

تستغرقنا دهشة منذ لحظة اللقاء الأولي وتستمر معنا الدهشة إلى أن نفني وكأننا مسحورون ، ندخل هذا العالم المسحور وننشد له ولا نريد ان ننفصل عنه ولا نريد أن نرتد إلى واقعنا حيث يصبح لنا واقع جديد له مذاق خاص ، رائحة خاصة ، ألوان خاصة ، أبعاد مختلفة ، قيم اسمي ، سعادة قصو ، خير مطلق ، ورغم شدة تأكدنا من مشاعرنا إلا أننا نعيش واقعاً سرياً غامضاً .

ولأنه لا أسباب ولا مبررات مادية فإننا لا ندخل فى تفصيلات ، فلا نستطيع مثلاً أن نقول اننا نحبه اكثر ؛ لأنه جميل أو ذكي ، كما لا نستطيع أن نقول أن حبنا له انخفض درجة لأننا اكتشفنا أنه أقل ذكاءاً أو أقل جمالاً عما كنا نعتقد ، إننا نري ميزاته ونشجعه دائما على فعلها وزيادتها ، ونري عيوبه فلا نعيرها أي اهتمام … ننظر دائما للجانب المشرق فى شخصيته ، وأحياناً كثيرة فإننا لا نري ميزاته ولا نري عيوبه أيضاً … فقط نتعامل مع روحه وكأنه طفل جميل ، فإننا نحبه كله لذاته وروحه ، ومنذ أن نلتقي به لا يزيد حبنا ولا يقل ، قد نشعر بعد ذلك أننا نحبه أكثر ، ولكن الحقيقة هو أننا نكتشف بعد ذلك مدي ما كان عليه حبنا منذ البداية ، فالحب يولد كاملاً ، الحب ليس كالقمر ، الحب يولد بدراً ويظل بدراً ، ولهذا يظل المحب على حبه لمحبوبه حتى وإن فقد هذا المحبوب بعض قدراته ، أو بعض إمكانياته ، أو بعض صفاته بفعل الزمن أو لأي سبب آخر ، ويظل أيضاً الحب كما ، هو حتى وإن تخلي عن بعض عيوبه ، لا يحزننا تراجع بعض مميزاته ولا يفرحنا تراجع بعض عيوبه ، يفرحنا سعادته ويحزننا حزنه .

الثقة المتبادلة تكون مكتملة منذ البداية ، فالمحب دائماً يتوقع أن حبيبه سيرتقي في الاتجاه نحو المثالية بفعل تأثيره الشخصي عليه وبفعل الحب ، فالتطور الطبيعي للشخصية بعد الحب هو أنها تمضي قدماً في التحليق في سماء الخير ، والجمال ، والحق ، وليس العكس!! ، وتلك إحدي نعم الحب وهي سعادة الاستقرار ونشوة الطمأنينة والآمان .

د.عادل صادق

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : معنى الحب

تعليقا واحدا

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..