مفهوم السعادة في الفلسفة – العادات السيئة في المجتمع

كم نحن مرتبكون، مثل الطفل المدلل قاصر النظر الذي ذهب مع والده لمدينة الملاهي لأول مرة في حياته، ومع أول لعبة جربها، وبمجرد أن نزل منها، بدء في الصراخ، أريد هذه اللعبة مرة أخرى، لا أريد لعبة أخرى غيرها، هذه هي اللعبة الوحيدة التي أريدها، بكل حب وشفقة يحاول الأب أن يجعله يفتح عينه وعقله ليدرك وجود ألعابً كثيرة، بالتأكيد ليست مطابقة لهذه اللعبة، ولكن كل منها تحمل طعماً مختلفاً، أحساساً مختلفاً، بهجة مختلفة، ولكننا كالطفل المدلل العنيد، نبكي بشدة ونرفض أن نرى أو أن نفهم أو ندرك أي شيء إلا ما نعتقد أننا نعرفه حق المعرفة ونعتقد فيه إنه الصحيح.

العقل البشري جهاز معقد، به العديد من الأدوات، وأحدها للأسف – لأننا أسئنا أستغلالها – أصبحت أكبر مصادر تعاستنا، هرمون السيروتونين، والمسئولة عن أحساسنا بالسعادة، فكلما ممرنا بتجربة جيدة يبدأ المخ في الأستجابة لهذه التجربة بأفراز هذه المادة في الدم، فنبداء في الشعور بالسعادة أكثر من التجربة التي نمر بها. ولكننا كالطفل المدلل العنيد بدئنا في البحث أكثر عن سبل الحصول على هذا المخدر ولا نريد غيره، بحثنا عنه في الطعام والجنس والمخاطرة والمقامرة وتقدير الأخرين حتى تحولنا لذوات مريضه بالأحتياج الدائم لعقار السعادة، وأيضاً كالطفل المدلل العنيد رفضنا أي شيء أخر، فعندما لا نجد عقارنا نبداء في البكاء بشدة وشكوى حال الدنيا والناس والزمن، نكتئب ونبداء في البحث عن مصادر أكثر قوة مثل لهذا العقار في المخدرات والكحول وحتى الجنس التجاري.

نجلس كالطفل المدلل العنيد أمام شاشات التلفزيون نحاول أن نسلي أنفسنا حتى الموت، لا نريد أن نشعر بأي شيء في هذه الحياة، فأي خبرة أخرى غير السعادة لا نريدها، وإذا كان الوقت الني نمر به خالي من هذه الخبرات فسأحاول أن أقتل هذا الوقت بأي مسليات أخرى حتى الموت. نحن واقعياً نرفض الحياة بكل ما فيها وقررنا أننا سنحصل على هذه السعادة أو سنقتل أنفسنا ونحن نحاول الحصول عليها.

مثل أي مدمن معتاد على مخدره، نحتاج دائماً لزيادة الجرعة، ومضاعفتها، مرة ومرتين وثلاث، تصاعداً لا يوقفه إلا الموت. فأسئنا أستغلال كل شيء حولنا حتى الممارسات الروحانية، ففقدت الصلاة والتأمل معانيها كأداة لتطوير الذات وأصبحنا نستخدمها كالمهدئات، وأصبح تقييم المعلم الروحاني بكم الأنتشاء الذي نحسه بالأستماع إليه، فأصبحنا نقيم هؤلاء المعلميين الروحانيين كما نقيم قوة المادة المخدرة ودرجة الأنتشاء التي ستحققه لنا.

كوحيد القرن أصبحنا مكسويين بطبقات غليظة من الجلد عديم الأحساس، ولكن لجلدنا خاصية غاية في الغرابة، أصبحنا عديمي التأثر بالمشاعر الأنسانية البسيطة مثل حب الأخرين وفي المقابل طورنا حساسية بالغة إتجاة هؤلاء الأخرين، فهم ينازعوني فرصي في الحصول على سعادتي التي أجدها في الوظيفة أو المال أو المكانة الأجتماعية والقبول الأجتماعي، ينازعوني مكاني المفضل في المقهى والمطعم، يزاحموني في الصف ودائماً ما أجدهم في وجهي أينما ذهبت، أصبحنا نجد الجحيم في الأخر ونأمل أي يختفي من الوجود أو على الأقل يختفي من أمامنا، ليذهب إلى أي جحيم أخر، لا اهتم، ولكني أرغب في أن يختفي من جحيمي فأنا أعاني فيه وحدي ولا أحتمل أي شخص أخر.

السعادة هي مكافئة ممارسة شعائر دين العصر الحديث، هذا العبادة تدعونا للقيام بكل ما نستطيعه في سيبل الحصول على عقارنا والأحساس بالسعادة، وأصبحت هذه الشعائر مسيطرة تماما على حياتنا حتى أصبحنا عبيداً بسلاسل ذهبية والأخطر أننا مستعدون لقتل أنفسنا وأي شخص أخر يقف في طريق قيامنا بشعائر هذه العبادة. رجال التسويق ومطوري المشاريع أصبحوا الكهنة الجدد، يخططون لنا الطقوس الجديدة للحصول على سعادة أكثر، أصبغ وجهك بالأحمر فستصبح أكثر سعادة، أرتدي الأزرق ولن يماثلك أحد في مقدار السعادة التي ستحصل عليها، إذهب إلى المكان الأصفر لأنه مكان من يشعورن بأقصى طبقات السعادة، صاحب السعداء الخضر لأنهم الأفضل، نستهلك ونستهلك لا لشيء إلا بوهم أننا سنجد المزيد من عقار السعادة، أدمنا الشراء والتسوق ومشاهدة الأعلانات عسى أن نجد شعائر جديدة، أتريد أن ترى هذا الآلاه الجديد رب هذا الدين ؟ ببساطة أنظر لنفسك في المرآة، هذه الذات المقدسة، والتي أصبح محور كل شيء هو أشباعها وأرضائها، هذا هو جوهر هذا الدين الجديد.

في الحقيقه هي ليست عبادة واحدة، لأشباع هذا الإلاه الجديد أصبحت حياتنا تدور حول أربع عبادات وأربع حروب لا هدف لها إلا تحقيق وهم الأشباع هذه الذات، عبدنا ممتلكاتنا المادية وسعينا لأن نحوز على أكثر وأكثر مما لدينا بالفعل، وخضنا المعارك لأن لا نفقد أياً من هذه الممتلكات، عبدنا مديح الأخرين لنا وثنائهم علينا حتى أصبح الشخص منا يسير مثل الطاووس نعرض ريشنا فقط على أمل أن يثني علينا شخص ما، حتى التواضع حولناه إلى جزء من هذا الريش، نسير بين الناس ونحن نأمل أن يمدح أحداً تواضعنا، وخضنا المعارك ضد كل من وجهة لنا اللوم أو أنتقدنا أو حتى فشل في رؤية محاسسناً، أصبح التقدير الأجتماعي هو العبادة الجديدة، نتابع الصحف ووسائل الأعلام، ونحلم أن نحظى بمثل هذا التقدير، وخضنا معارك شرسة ضد أي شيء يهدد هذه المكانة، خضناها ضد خصومنا وأقراننا وكل من شعرنا أنه حتى في المستقبل قد يشكل تهديداً لهذه المكانة الوهمية، وأخيراً عبدنا التجارب الحسية الممتعة وخضنا معاركة لا نهاية لها لنبتعد عن أي خبرات الحسية الغير ممتعة.

الكارثة الحقيقية أن هذه العبادات تحولت لدين المجتمع، نتربى عليه من طفولتنا، عندما تهين شخصاً ما لأنه أنتقدك، وتحكي لصديقك الحميم سبب أهانته لك، لن يرى شيء غريباً في سلوك، بل بالعكس، إذا تصرفت بتسامح فسيلومك صديقك ويتهمك بالتفريط في كرامتك، عندما تعطي للأخرين مما تمتلك، وتعطيهم حقاً ما تمتلك وليس مجرد ما يفيض عنك أو لا تحتاجه، تنصحك عائلتك بأن تتوقف عن هذا وإلا ستنتهي بكل الحال بأن لا تمتلك شيئاً، عندما تبذل كل جهدك للحصول على مكانة هامة في المجتمع ينظر لك الجميع بأنبهاء ويحاولون الأحتزاء بك، ولكن عندما تتصرف بتواضع وتبتعد عن الأضواء، فلا ينظر لك أحد ويتجاهلك من حولك لأنك مجرد نكره، عندما تنظر بتعادل وحياد للتجارب الحسية، ينظر لك الأخرين كشخص غريب أو مجنون، فكيف بك لا تطارد مثلهم المتع وتهرب مثل الفأر من الآلم.

لقد تواطئنا على تشويه الحقيقة، فأطلقنا على تقديس الذات، تقدير الذات، ورأينا معاناة الأخرين سببها مسئوليتهم الشخصية أو القدر وليس مجتمعنا المريض. أصبح الطعن في الأخرين هو أسترداد للكرامة، والأنتقام واجب مقدس، والأحتلال هو نشر الدين أو الديمقراطية أو العدالة أو نصره المحتاجين، وتشويه المفكرين وقتلهم حماية لقيم المجتمع، القتل والتدمير هو نصره للدين أو للدولة أو للفكرة، أستغلال البشر ونهب الثورات الطبيعية أصبحت من معايير التقدم، ولا نهاية للأمثلة على التشوه الذي وصلت له قيمنا.

للأسف أصبح مرضنا أكثر تغلغلنا، تقديس هذه الذات والعمل على أشباع هذه الذات المقدسة هو الجذر العميق لمرضنا، ولا مخرج لنا من هذه الدائرة المميته دون أقرار هذه الحقيقة، نعم نحن مرضى بذواتنا المقدسة. عندما نعترف بهذا حقاً من داخلنا ومن صميم قلبنا عندها فقط قد نستطيع أن نجد العلاج.
.
أرجُنَ برَنَذي

نحنوا نعيش في عالم عجيب غريب مدهش 😀

سيلومونك علي الحب ، ويشجعونك علي الكراهية!
سيلومونك علي التسـامح ، ويشجعونك علي الإنتقام!
سيلومونك علي السـعادة ، ويشجعونك علي التعاسـة!
سيلومونك علي الحـياة نفسها ، ويشجعونك علي المـوت!
سيلومونك علي النجاح الحقيقي ، ويشجعونك علي الفشل الحقيقي!
سيلومونك علي الحرية واختياراتك ، ويشجعونك علي العبودية تجاه كل شيء!

اصنع عالمك الخاص بأفكارك وقناعاتك الخاصة .. وأهرب من ولاد الهبلة دول 😀
عبدالرحمن مجدي

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : عاهات مجتمع

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..