من هو فاديم زيلاند – صاحب نظرية الترانسيرفنغ

إسم فاديم زيلاند لا يعدو كونه اكثر من لقب مستعار يتخفى من ورائه ـ مثلما تخفي نظارة سوداء ملامح وجهه ـ المؤلف الروسي الشهير واضع نظرية الترانسرفنغ ، أو الركمجة الذهنية العابرة للواقع المادي إلى ما وراء الطبيعة حيث فضاء الاحتمالات لإختيار الإحتمال ـ القدر المراد تجليه في الواقع .
اقرأ: فضاء الاحتمالات ما هو الواقع
اقرأ: من فضاء الاحتمالات – فاديم زيلاند

خلاصة هي تقنية لتوجيه الواقع تمكن ممارسها من حرية الإختيار الواعي لخط الحياة الذي يرتضيه. فهي طريقة لوضع زمام القدر بين يدي الانسان.
اقرأ: القدر مسخر لك .. لا عليك !

حين ظهرت هذه النظرية الفريدة التي تربط بين العلم و إلإزوتريكا في رؤية جديدة لحقيقة الواقع، قلبت كل مفاهيم الوعي السائد، و كشفت عن حقائق جديدة، وغريبة و صادمة، و طرحت نموذجا تطويرياً متفرداً بسيطاً و شغالاً. فأحدثت بذلك ضجة كبرى في حقل التنمية الذاتية. وشكلت موجة عارمة طالت كل ارجاء المعمور، وترجمت إلى ما يزيد عن عشرين لغة و احتلت لسنوات متتالية صدارة مبيعات الكتب بتزامن مع إنشاء الكثير من المواقع الاجتماعية بالشبكة العنكبوتية و تأسيس العديد من المراكز التدريبية بكل جهات العالم و تنظيم دورات تكوينة عابرة للقارات .

باختصار اصبحت آخر صيحات الموضة بين أزياء نماذج التطوير الذاتي في عالم التنمية الذاتية . بل ذهب بعض المتحمسين لهذا النموذج إلى أنه قد جب ما قبله من النماذج نظرا لبساطته و إشتغاليته ، و حتى بعض كبار مصممي تقنيات النماذج اعتبروا الترانسرفينغ نمودج المستقبل دون منازع. و على إمتداد عقد ونصف ، ظلت شجرة الترانسيرفنغ خضراء يانعة ، مثمرة تنمو و تكبر، تغذيها بالاساس الانتاجات الغزيرة لفاديم زيلاند و التي فاقت ستة عشرة كتابا ، ناهيك عن الرسائل و المقالات الدورية عبر الانترنيت .

وقد شاءت الأقدار ان تظهر نظرية الترانسيرفنغ في نفس السنة التي بدأت فيها روسيا تستعيد عافيتها من أزمة انهيار شامل بكل تداعياته التي خلفت شعورا بالاحباط و الضياع و الخوف من المصير المجهول ، وقد اعقب الإقبال الكبير على هذا النموذج تقاطر شهادات موثقة للملايين الذين تغيرت حياتهم بما يشبه المعجزات نحو الافضل ، حتى ان بعضهم لقب زيلاند بنبي العصر ، وكانوا يعتبرون كل إصدار جديد لفاديم بمثابة قنبلة مفرقعة للوعي السائد.

واصبح اسم فاديم زيلاند في جداول التصنيفات العالمية واحداً من كبار المؤثرين في الفكر البشري المعاصر. ورغم أن شهرته ضربت الأفاق و صار أشهر من نار على علم، إلا أنه آثر التخلي عن إمتيازات الشهرة مفضلاً الحفاظ على خصوصية حياته الخاصة والتي هي في نظر زيلاند خاصته وحده فإذا ما تم إشهارها لم تعد كذلك.

كما أنها بحسبه لا ضرورة لها بالمطلق لفهم مؤلفاته. وقد أعرض عن التدريب أيضاً لأنه يرفض أن يكون غورو ـ معلماً لأي أحد. لذا فهو يبتعد قدر الأمكان عن الاضواء، ويتوارى عن أنظار الصحافة ووسائل الاعلام ويتحاشى الظهور المباشر أو المصور إلا فيما ندر ، مموهاً ملامحه بنظارة كبيرة سوداء ، ولا يُعرف عنه إلا ما يصرح به هو نفسه.

ولعل إختيار التواري عن الأنظار مع كل تلك الغزارة و التميز لإصدارات زيلاند الأولى، هي التي دفعت بعض المشككين إلى الزعم بأن الأمر ليس سوى حيلة في الماركتينغ (التسويق ) لأحدى كبريات دور النشر بروسيا التي أهتدت إلى إبتداع شخصية كاتب ذات جاذبية خاصة يكتنفها الغموض، تكون مشهورة إسمها على كل لسان، وكتبها في كل مكان، و في نفس الوقت مغمورة ، لا أحد يعرف لها عنوان ..

ففي إعتقادهم أن زيلاند الذي يجهلون عنه كل شيئ مجرد واجهة لطاقم تأليفي محترف تابع لدار النشر. غير ان دراسات لاحقة مختصة لعلماء روس قطعت هذا الشك باليقين و أثبتت أن كل تلك المؤلفات صادرة عن نفس الشخص، وحتى مواصفاته المظهرية المستخلصة تشبه صور المدعو فاديم زيلاند.

إذن فهو شخصية حقيقية كل ما أراده هو الإستمتاع بحياته الخاصة بعيداً عن كل الملاحقات و الإزعاجات. و مرة آخرى هذا الخيار نفسه هو الذي خلق سوء فهم لدى العديد من معجبيه و محبيه و صنفوه ضمن خانة الكتاب المنعزلين ـ أهل الخلوة. و شبهوه على الخصوص بكارلوس كاستنيدا ، وهذا مغاير تماماً لما يصرح به زيلاند من كونه يعيش في وسطه حياة عادية ، يقوم بواجباته المهنية و العائلية، يخالط الناس، يتبضع في المتاجرو يجالس الأصدقاء وحتى المقربين منه لا يدرون أنه المؤلف المعروف وهو يستمتع بذلك حقاً.

أما نحن الذين نعرف أنه هو فاديم زيلاند فلا نعرف عنه الا ما صرح لنا به.. هو من أصول روسية إستونية، يعيش بروسيا،كان في عقده الرابع قبيل إنهيار الإتحاد السوفياتي السابق ،متزوج له أبناء، كان فيزيائياً باحثاً في تخصص الفيزياء الكوانطية ثم تحول إلى مجال تقنية الحاسوب و البرمجة المعلوماتية ليتخلى عن كل هذا بعدما أصبحت كتبه تدر عليه دخلاً محترماً فاكتفى بمهنة التأليف.

ورغم ندرة ظهوره العلني، فزيلاند شديد الحرص على التواصل مع قرائه عبر البريد الإلكتروني و موقعه الإجتماعي يطلعهم عن الجديد و يجيبهم عن أسئلتهم و استفساراتهم. وعموما نستطيع من خلال تصفح كتبه و رسائله أن نتلمس شذرات متفرقة هنا و هناك تضيئ جوانب عديدة من حياة زيلاند خاصة تلك المتعلقة بتجاربه في تطبيق مبادئ الترانسرفنغ. غير أن فاديم لا يتوانى عن التذكير بأن حياته لا اهمية لها في إستيعاب النظرية و تطبيقها .

فالنظرية تمد القارئ بكل ما يحتاجه من أدوات و وسائل الفهم و التجريب والتحقق. فزيلاند يعتبر نفسه مجرد مبلغ لهذه النظرية كما تلقاها من طرف حماتها الذين شحنوه بأسرار هذه المعرفة الأصيلة خلال حلم واع بعد تجربة روحية مريرة و فترة تأملية عميقة.

ويؤكد زيلاند بأن جل ما يقوم به هو التركيب الفسيفسائي لتلك الفقرات التي شحن بها بما في ذلك اسم النظرية. وهو بنفسه يقف مشدوها أمام تلك المعارف الموسوعية العميقة وجمالية السرد اللغوي، وهي أشياء لم يكن موهوباً فيها و لا مكتسباً لها من قبل، و هو دائماً يردد: في كل الأحوال و بأي شكل من الأشكال هذا ليس من عندي. لم يكن فاديم عالماً فيزيائياً يشار إليه بالبنان ولا كاتباً أديباً فقد كان يحصل على اسوأ الدرجات بمادة الأدب حين كان طالباً، ولكن ما إن إنتهى من صياغة التركيبات الفسيفسائية لمقالاته الأولى حتى نوى أن يصبح كاتباً عالمياً مرموقاً وتترجم كتبه إلى أكثر لغات العالم تداولا و أن نظرية الترانسرفينغ سوف تقرأ و تطبق في كل الأرجاء.. صحيح لم تكن الطريق سالكة في البداية فقد كانت كل مسوداتة المبعوثة لدور النشر ينتهي بها المطاف في سلة المهملات. غير أن هذا المركمج المجرب استمر في تدوير شريحة هدفه، متحركاً مع المجرى ومنسقاً للنية حتى انفتحت له الأبواب وتعاقد مع أكبر دار للنشر وكانت تلك البداية الحقيقية لإنتشار الترنسرفينغ…

لقد جرت العادة بين المشاهير الإختيار بين أمرين كلاهما صعب ..
إما العيش بين ظهراني المجتمع تحت الأضواء وما يستتبع ذلك من ملاحقة الصحافة و مضايقات المعجبين، وإزعاجات الفضوليين، و تحرشات الناقمين، وكل ما ينجم عن ذلك من فضح للأسرار و هتك للخصوصيات و اطلاق الاشاعات.. بمعنى تصبح حياتهم غير عادية ويتحول كل ما هو خاص فيها إلى ملكية عامة دائماً تحت المجهر.
وإما سلك الخيار الثاني بالتنازل عن نِعَم الشهرة وسط المجتمع، و التواري عن الأنظار في عزلة تامة، لأجل التنعم بالحرية و الهدوء وصون خصوصيات الحياة الخاصة.

فاديم زيلاند إختار مسلكا آخرا متفرداً بل عبقرياً ، إذ نال الحظ الأوفر من الشهرة والوفرة ، و مع ذلك يعيش حياة خاصة عادية، يأكل مع الناس الطعام ويمشي في الأسواق دون أن يدري أحد حتى أقربائه أنه الرجل الذي أقام الدنيا وشغل الناس.

و تكتمل معالم هذه العبقرية في الحفاظ على هكذا وضع طيلة عقد و نصف ـ و البقية تأتي ـ في دولة لم تكن بالصدفة سيدة للجاسوسية في العالم، و العديد من صحافييها و رجالات إعلامها هم من فلول جهاز المخابرات الذائع الصيت ال كي.جي.بي . لقد تمكن هذا الراقص البارع مع الظلال من ترويض وحش البندول و إمتطاء صهوته بوعي لنشر نموذج الترنسرفينغ.

البندول صنع نجومية زيلاند و نصب له تمثالاً على القاعدة تحت شعار .. إفعل مثلي.. و فاديم راقصه بفنية عالية إذ حول أنظار الجموع و الأتباع من شخصه إلى نظريتة القائمة على قاعدة.. كن أنت أنت و دع غيرك يكون غيرك.. فعلى عكس جل المشاهير العظام الذين نستطيع أن نتحدث لساعات طوال عن فصول من حياتهم دون ذكر معلومة واحدة عما قدموه من أفكار ، فإن المتحدث عن زيلاند يجد نفسه بشكل من الأشكال ـ و أمام شح المعلومات المتعلقة بحياة فاديم الخاصة ـ يستعرض افكار زيلاند و كتبه و يخوض في النظرية بمبادئها و تقنياتها.

أراده البندول غورو للإقتداء و نموذجاً للتقليد و الإتباع، فعرف كيف يحول نفسه إلى مجرد ساعي بريد مبلغ لرسالة التفرد و الإبداع. أنت لا تعرف عنه إلا ما أراد لك أن تعرفه و لا يهمه مطلقاً ما ستفعله بالرسالة المبلغة، وإن كان يؤمن سلفاً بأنها يستحيل أن تقع بين يدي من لا يستحق.

التخلي عن إمتيازات الشهرة والتدريب لم تحافظ على ملكية زيلاند لحياته الخاصة فحسب بل مكنته أيضاً من الحصول على الظروف المناسبة للتأمل و التأليف و التعمق في مبادئ النظرية وتطوير تقنياتها. هذه هي على حد تعبيره رسالته في الحياة و هدفه المحدد. تخلى عن نجوميته الخاصة ليسطع نجم الترانسرفنغ العام دون أن يأفل نجمه الخاص.

يخطئ من يظن أن فاديم زيلاند تبوأ مكانه المرموق في عالم التنمية الذاتية بعد مشوار طويل من التكوين و التدريب، أو نتيجة لجهود مظنية في حقل الفيزياء الكوانطية. لقد كان شخصاً عادياً و باحثاً متواضعاً لم يسبق له أن آثار الإنتباه ، والتأليف لم يخطر له يوماً على بال. وحياته ـ كما ألمح غير ما مرة بذلك ـ لم يكن يعوزها الطيش و الصخب و أفضيا به إلى حالة إكتئاب حادة وجهت مساره إلى خوض تجربة روحية تأملية في التنمية الذاتية ليخرج على الملأ بتحفة العصر، كتاب برؤية جديدة تجمعت ما بين دفتيه درر معرفة قديمة وجواهر حكمة أصيلة أصابت الجميع بالذهول و الاستغراب…

اقرأ: خواطر وحكم فاديم زيلاند

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : مقالات ثقافية متنوعة

3s تعليقات

  1. روينة بد الحكيم

    السلام عليكم
    أود أن أشكركم على هذا المقال الذي عرفني بهذه الشخصة الفذة فاديم زيلاند في الحقيقة بهرت بهذه النظرية المتكاملة نحمد الله على نعمت الأنترنت لولاها لما وصلنا هذا العلم الغزير بالطرق المعتادة

    رد
  2. هذا مقالي تصرفت فيه دون استشاري أو حتى ذكر سمي …كيف اتصرف اتجاه الأمر. ؟

    رد
    • أنا بالفعل أخذته من أكونت علي الفيسبوك لصديق عندي ونسيت أن أكتب اسم الكاتب انا دائماً في كل المقالات الموقع اكتب اسم الكاتب واستأذن منه فأنا آسف هذه كانت في البداية وفعلت ذلك بشكل متسرع ..

      ممكن تبعت لي رسالة علي صفحتي الشخصية: https://www.facebook.com/abd.elrahman.7982?fref=nf
      .

      رد

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..