الرئيسية قوانين حياة من القرآن تأملات قرآنية

تأملات قرآنية

بواسطة عبدالرحمن مجدي
556 المشاهدات
قوانين القران الكريم - اجمل ايات القران
من الأفكار التي طالما آمنت بها، هي أن القرآن لا يتكرر مهما أعدنا قراءته.. الألفاظ ثابتة وسرمدية نعم.. لكن المعاني تتغير بمقدار وعينا نحن.. أي أنه يضيق ويتّسع بحسب ذهن المتلقي.. وخذ مثالا على ذلك هذه الآية الكريمة.. “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بِنَا حاسبين”..
 
آية في منتهى البساطة.. وممكن لها أن تضيق بحيث يستطيع طفل في العاشرة أن يفهمها ويفسرها، ويقول أنها تتعلق بدقة الحساب يوم القيامة.. وأنّ الله عنده ميزان دقيق يحسب حتى حبة الخردل المتناهية في الصغر.. وهذا تفسير مقبول.. لكن تعال الآن فكّر فيها قليلا كشخص ناضج.. لترى كيف ستتسع الآية بحسب فهمك بدون أن تتغير الألفاظ..
 
بداية ، الحساب يوم القيامة يكون على أعمال الناس وأقوالهم.. ماذا فعلت للناس، وماذا فعلوا لك.. وماذا قلت لهم وماذا قالوا لك.. وهذه الأشياء تأثيرها على حياتنا متشعب ومتعدد جدا.. ولنفرض مثلا أن الذنب المراد قياسه هو أن شخصا قتل والدك.. فكيف يمكن قياس تأثير هذا الأمر عليك وعلى عائلتك؟ تحتاج ميزانا يقيس الحزن.. وآخر يقيس لوعة الفقد.. وآخر يقيس غياب الدعم.. وميزان لقياس انقطاع الرزق.. وحشة أمك.. انكسار أختك.. المسؤولية التي تحمّلتها.. كل هذه أمور تحتاج أكثر من ميزان واحد.. فتعود للآية لتجد أن الكلمة المناسبة فعلا قد استعملت.. (موازين)
 
ثم إن هذه الموازين.. تحتاج أن تكون دقيقة جدا.. لتحيط بالأمر من كافة جوانبه.. لأنه حتى الحزن متغير بين شخص وآخر.. ما حزنته أنت مختلف عما حزنته أمّك.. ومختلف عن حزن أختك.. فكيف يمكن حساب هذا الحزن فعلا ليتم التعويض عنه؟ فتجد الآية تردّ عليك.. وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها.. سنقيس حزنك بوحدات لا تفهمها.. لكننا نقربها لك بما تعرف.. وزن حبّة الخردل.. فتراك تقول.. لكن الأمر يا الله لا يوزّن بالخردل؟ فيردّ عليك.. وكفى بِنَا حاسبين..
 
هذه مجردّ آية من سطر واحد.. واحتاجت أكثر من صفحة لتفسيرها دون الدخول في تفاصيل أخرى.. لكن هذا هو المنهج.. في القرآن وفِي كل ما خلق الله في هذا الكون البديع من النبتة الصغيرة حتى الجلمود الأصمّ.. ترى الشيء فتحسبه سهلا ممكنا.. لكنّه يحوي من التعقيد ما لا يمكن تخيَله..
 
إدراك حقيقة كهذه لا يجب لها فقط أن تجعلنا مستمرين في التعلّم وتوسيع المدارك.. بل عليها أيضا أن تذكّرنا بتواضعنا.. وأننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا..
 
– – – – – – – – – – – –
اللوحات الغامضة.. النبي الذي نسي.. القطط التي تأكل العشب.. وأشياء أخرى (مقال)
 
في بداية التسعينات من القرن الماضي, انتشرت على أرصفة مدينة عمّان نسخ مقلدة للوحات فنية غامضة, عرفت باسم لوحات البعد الثالث.. كل لوحة منهن كانت أشبه ما تكون بنقوش مكررة على سجادة.. والفكرة هي أنه يجب عليك التركيز في اللوحة لدقائق.. عندها فقط يمكن لعقلك إدراك الخداع البصري الموجود في اللوحة ورؤية الشيء الغامض المرسوم داخلها.. والذي على الأغلب كان وجه السيد المسيح.. أو مدينة نيويورك أو أشياء أخرى.. في الحقيقة ما لفت انتباهي وقتها هو كيف يمكن لشخصين أن يقفا أمام لوحة ما.. فلا يرى أحدهما فيها سوى نقوش عبثية.. بينما يستطيع الآخر رؤية السيد المسيح بوضوح.. وكلاهما على حق..
 
نفس الفكرة تكررت لدي أثناء قراءتي لسورة يوسف قبل عدة سنوات.. السورة فيها آية ملغزة للغاية.. تقول الآية ( وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ).. وكان الاختلاف العنيف بين المفسرين حول من هو الذي نسي ذكر ربه.. هل هو النبي يوسف الذي نسي ذكر الله ولجأ إلى الساقي ليذكر الملك؟ أم هو الساقي الذي نسي ذكر ربه (أي الملك)؟؟ والذي ارتاح بالي إليه بعد عدة قراءات.. هو رأي الدكتور حسام النعيمي.. أن كلا الرأيين صواب.. يوسف عليه السلام نسي ذكر ربه.. والساقي نسي تذكير الملك.. وهذا ما سماه الدكتور إعجاز الإيجاز.. أن أي تقول جملة واحدة لها تفسيران صحيحان.. لكن لا تكرر الجملة إيجازا..
 
الفكرة نفسها تتكرر إذن.. أنت على حق وأنا أيضا على حق.. وإن بدا أننا مختلفان ومتضادان.. لذلك كان من دواعي عجبي في هذا الأسبوع عندما قرأت بعض التحليلات لتعدي جماعة من الطلاب على محتويات مدرسة في مادبا.. أن من يطرح رأيه في المسألة يبدأه بتسخيف رؤية الطرف الآخر.. ففي حين قال البعض أن الحل لمثل هكذا تصرفات هو رقابة مدرسية أكثر.. رد البعض الآخر أن هذا هراء.. وأن ميشيل فوكو الفيلسوف الفرنسي أشار إلى أن المدرسة نسخة مكررة عن السجن.. وأنها تمثل السلطة التي يجب محاربتها.. احتج آخرون بما يقوله المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي بأن مؤسسة التعليم قائمة على فكرة ترقية الأكثر طاعة.. وأنها بذلك تقتل الإبداع.. الخ..
 
والسؤال هو.. لم لا يكون الجميع على حق فعلا.. لكن بأوجه مختلفة..؟ المدرسة فعلا كما قال ميشيل فوكو هي وجه من أوجه السلطة.. لكن من قال أن هذا شيء سيء؟ من قال أن التسليم لسلطة معينة والعيش تحت ظل الربط والانضباط هي أمور سيئة؟ هل تمكنت البشرية من إنجاز شيء بدون أن تكون هنالك سلطة توجه هذا الشيء؟ هل سلطة الشركات شيء سيء؟ المصانع؟ فرق كرة القدم؟ مؤسسة الزواج؟ العائلة؟ نحن نعيش في ظل سلطات عديدة.. ربما فعلا بعضها يحتاج لإصلاح.. لكن هل الحل يكون بنسف مبدأ السلطة كله؟ حتى قطعان الذئاب تعيش تحت ظل سلطة الذئب الذكر المسيطر؟ ما العيب في ذلك؟ ونعوم تشومسكي ليس مخطئا أيضا.. ربما النظام التعليمي يحتاج لإفساح مجال أكبر للإبداع.. لكن هل يجب أن يتم ذلك على حساب الضبط والربط؟
 
ما أود أن أقوله.. أن المشكلة لا تبدو في ماهية تعريف المدرسة بقدر ما هي في الطريقة التي نعرف بها الأفكار.. إما أو.. والأفكار لم تكن أبدا بهذا الشكل.. الأفكار ليست سيوفا تناطح بعضها بعضا ويجب على رأي واحد أن ينتصر في النهاية.. لا.. الأفكار لا تناقض بعضها البعض بل تكمل بعضها البعض.. ومن الممكن جدا أن يكون لدي رأي صحيح ولديك رأي أيضا صحيح لكن مختلف.. وكلانا على حق.. وتتجمع هذه الأفكار في النهاية لتشكل صرح المعرفة..
 
القطط كائنات لاحمة.. تتغذى على اللحم.. هذا شيء كلنا نعرفه.. أنا وأنت والجميع.. حقيقة مسلم بها ولا تقبل النقاش.. لذلك لو جاء شخص ما لنا وقال أن قطته تأكل العشب.. فلربما نصفه بالأحمق أو الجاهل.. قبل حتى ان يكمل كلامه.. لأنه وبكل بساطة يعارض فكرة شديدة الرسوخ في أدمغتنا.. لكن لو تحلينا ببعض الصبر والانفتاح.. وسألناه أن يوضح لنا أكثر ماذا يقصد.. سيقول أن القطط تبتلع أثناء يومها بعضا من وبرها.. وبعض الريش ربما مما تصطاده.. وبعض العظام.. ولأن جسدها غير قادر على هضم هذه الأشياء.. يضطر القط كل حين وحين أن يأكل بعض العشب.. ولأن معدته لا تحتوي أنزيمات قادرة على هضم العشب.. فيتسبب له هذا التصرف بالاسترجاع.. أي أن يقذف كل ما في بطنه خارجا.. وبهذا يقوم القط بتنظيف معدته من الوبر والعظام والريش.. والعشب بطبيعة الحال..
 
مرة أخرى.. أنا على حق.. وأنت على حق.. القطط كائنات لاحمة.. لكنها تأكل العشب أيضا.. وهكذا يمكن تماما لرأيين متضادين أن يتلاقيا.. ولخطين متوازيين أن يتقاطعا.. ببساطة لأن الحياة ليست مسألة رياضية.. والأفكار ليست ألواح صماء لا يمكن المساس بها.. بل هي عجينة.. تتشكل بحسب الواقع والمعطيات.. وكل رأي جديد يشذب ويهذب ويوضح حدود الرأي السابق له.. وربما ما نحتاجه فقط هو الابتعاد عن التشنج الفكري.. وبعض الانفتاح على الآخرين.. لأن ما يبدو خطأ في سياق ما.. يبدو صحيحا تماما في سياق آخر… والجروح قصاص.. والأيام دول.. ودفعتها فتدافعت.. مشي القطاة إلى الغدير.. وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري..
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
 
.
.
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !