الرئيسية » خواطر » اقوال اوشو » من هو المتدين الحقيقي

من هو المتدين الحقيقي

بواسطة عبدالرحمن مجدي
98 المشاهدات
صلاة الصوفية - روح الصلاة
الدين.
 
ذات مرة زارني رجلٌ حكيم وقال لي كلاماً غاية في العلم والتعليم. يومها سألته عن الذات ببراءة… قال لي حين تشفى من عاهات وآفات تجسّدَت في شكل رغبات… حينها يسكن العقل ويهدأ، يسكن العقل ويبدأ برؤية ما لا يراه فكر. يرى الذات الأصغر من كل صغير والأكبر من كل كبير. حينها يرى للمرة الأولى…
 
سألته عن الأمة وحالها، تصوم وتصلي وتعِظ دون أن تتّعِظ ورغم هذا لم ينصلح حالها، فما بالها؟
 
أجابني بأن الدين حقيقة قبل أن يكون شريعة وطريقة. الدين حالة يعي فيها الإنسان أنه وكلّ موجود امتداد لذات إلهية، وخلَق الخالق طرقاً بعدَد ما خلَق من خلْق… الشريعة والطريقة مفتاح لتفتح بابك وترى نور ذاتك وتفقه أسرار حياتك لكنها ليست الحقيقة…
 
أجابني بأن حال الأمة كمَن يحمل مفتاحاً لا يعلم أي باب يفتح. الأمة ظنّت المفتاح حقيقة ونسيت أنه طريقة. الأمة طال مسيرها على الطريق وضلّت البيت العتيق الذي منه أتت وإليه تعود وهي الآن تحيا في ضيق…. أن تصوم وتصلي دون وعي بأسرار الصيام ومعنى الصلاة والصّلة والعبادة وحال الشهادة، لا يعني أنك متدين أو أنك تعبد الله… لا يعني أنك عرفت الله وكيف لك أن تعرفه وأنت لا تعرف من أنت حتى؟ هل تذكر الرجل الذي صلّى أمام الرسول الحبيب فأمره بأن يعيد صلاته لأنه لم يصلِّ؟ أعادها فأمره بأن يعيدها من جديد لأنه لم يصلّ… ظل يعيدها حتى حلّت في نفسه السكينة فتجلّت في وصل تام مع الله وما هو هذا الوصل؟ هو الوقوف بين يدي الله بعقل خالٍ من أي فكر أو رغبة أو طمع، لا جنة ولا نار ولا علن ولا إسرار ولا دنيا ولا ذاكرة ولا ليل ولا نهار…
 
في هذه الحالة أنت بالله موصول، أنت بذاتك الحقيقية موصول، أنت في توجّه وتسبيح. هذا الحال هو صلاة حقيقية خالصة لوجه الله، صلاة فطرية تصلك بالله..
 
الأمة فقدت هذا الحال. إنفصلت عن الله داخلها وجعلته في مكانٍ ما خارجها. الأمة فقدت وصلها وخاب حالها ونسيت أصلها لأن أطماع آخرتها وهموم دنياها تشغل بالها. عقولها فقدت عذريتها وما هي العذرية؟
 
هي غير فهمنا الجاهل للعذرية… هي حال من صفاء الإنسان صفاء لا يكدّره وهم أو همّ دنيوي ومادي… عذريّتك هي أن تدخل محرابك وتقفل بابك ولا تسمح لما هو دون الحقيقة باحتلالك. الأمة لا ترى الله موجوداً في الأشجار والغابات والأنهار… الأمة تذهب إلى المساجد والكنائس والمعابد لأنها تظن أنها بيت الله الوحيد، ومن قال هذا؟ الكون هو معبد الله الأكبر، ومن لم يجد الله في قلبه فلن يجده في أيّ معبد.
 
أن تنحني النّفْس وتَحني الجبين، وروح في محراب الحب خاشعة خشوع الزاهدين… حبّ الكون وما حواه من خَلق وكائنات وعالَمين، هذا هو الدين… الإنسان المتدين هو من استسلم للحياة والمنافق هو من حارب ويحارب انسياب نهر الطبيعة في أودية الحياة. المتدين في خدمة الحياة والمنافق في خدمة الموت.
 
المتدين يرى الخير ظاهراً وباطناً في كل مكان حتى ولو ظهر للعين أن غيوم الشر لبّدت سماء الحياة ورحل الخير، فهو يعلم أنه مجرد سوء فهم لا غير… لا بدّ وأنه جهلنا الذي يرى، جهلنا الذي يشرح ويفسّر الأمور دون أن يرى، فيبوح بحُكمِه ويقول ها هو الشر في الحياة. لا بدّ وأنه عقلنا الذي لم ولن يسمع قصة الكون الأبدية كاملة متكاملة، لا يرى الصورة من جميع الزوايا… لا بدّ أنه جهلنا لم يسمع اللحن من بدايته إلى نهايته فظنّ أنّه فقَدَ نوتة من نوتاته السبع ولم يكتمل.
 
المتدين يعلم أن الخير في كل مكان وكل نفْس، يتنفّس مع كل نبضة قلب، كيف لا والله هو الخالق أوجد الحياة ومن فيها؟ الله هو يقيننا لنثِق بوجود الخير ولا شيء سوى الخير، فالشر لا كيان له ولا وجود مستقلّ وإن ظهر فلا بدّ أن هذا المشهد الذي نراه إنما هو كابوس تحياه عقولنا.
 
المتدين يسمع همس الوجود ونداءه فيلبي النداء ويُجيب بنَعم. نعم للمشيئة الإلهية. نعم يعنيها من لبّ قلبه، نعم بحبّ وترحيب أنه سيلبّي النداء فمن سيقف في وجه انسياب نهر الحياة ويقول للنهر لا؟ المتدين ينحني مرحّباً بما أتاه، ولا يعتبر نفسه موجوداً، لا يرى وجوده كياناً مستقلاً له احترامه ومكانته، لا…
 
المتدين خاشع والخشوع يعني تسليم الأنا وكيانها واحترامها ومكانتها في المجتمع، تسليم الأنا قرباناً لتكون مشيئة الله، لتخشع النفس وتستسلم وأمرها لله تُسَلّم. صاحب الأنا يحارب المشيئة فيغفَل ولا يشكُر محاولاً إثبات نفسه أحداً مميزاً. صاحب الأنا مصيره الفشل والحسرة والندم، مصيره خيبة الأمل عاجلاً أم آجلاً.
 
حين يدخل الإنسان محراب القلب الصافي الخالي من كلّ شيء وينظر إلى الحياة من هذا المقام سيرى القداسة في كل مكان فالكون هو معبد الله…
 
أنت تمشي إذاً أنت تمشي في الله، ترقص إذاً أنت ترقص في الله، نائم إذاً أنت تنام بين يديّ الله لأن لا وجود إلا لله. الله هو يقيننا لنثِق أن الخير موجود. الله يعني أنك الخير والخير هو الجوهر الذي قام عليه خَلق الوجود لِذا فمستحيل أن يكون للشرّ وجود.
 
مستحيل أن يكون للشرّ وجود… لكننا لم نسمع أغنية الحياة كاملة أو أننا حكمْنا عليها قبل أن نسمعها… لكننا نشاهد الحياة بأفكارنا ومُثُلنا، بمفاهيمنا وعقائدنا…
 
نعيش الحياة ونحن نتوقع كيف يجب أن تسير الأمور. الأمور كما هي عليه فمن طلب منك أن تتوقع كيف يجب أن تسير الأمور؟ من طلب منك والوجود لا يعرف معنى كلمة (يجب)؟ وحده الإنسان يعرف معنى هذه الكلمات (يجب، واجب)… وحده الإنسان عرف هذه الكلمة وقسم وحدة الوجود إلى خير وشرّ، ثم وضع مفاهيم ونظريات وكتُب ومؤلفات حول كيف يجب أن تسير الأمور فابتعد عن الحقيقة والطبيعة والفطرة، إبتعد عن قانون الحياة الأعلى من الكتُب والكلمات. إهدأ فالحقيقة موجودة هنا كما هي فلا تدنّسها وتدخل محرابها حاملاً كلمة (يجب) في قلبك. طهّر قلبك حتى ترى هذه الحقيقة وتحياها كما هي لا كما تريد أنت وإن لم تفعل فستحيا الرّجم والإدانة، سترجم ما لا يعجبك في الحياة وتدينها.
 
بعض المفكرين الغربيين حاولوا إظهار الأديان الشرقية على أنها درب تملؤه الحجارة… حجارة يلتقطها الرحالة على درب هذه الأديان ليرجموا بها الحياة. غير صحيح… لن تجد دروباً سخّرت نفسها لحب الحياة وخدمتها والخشوع لقداستها مثل دروب هذه الأديان.
 
أين ستجد معبداً جميلاً يُغني قصيدة في عشق الحياة كمعبد (كاجوراهو)؟ أين ستجد عِلماً هو من أقدم العلوم الروحية التي شرحت أسرار الطاقة الجنسية وفرَشَت بالفهم درب تحويلها إلى طاقة إلهية مثل عِلم (التانترا)؟ أين ستمشي دروباً أثمرَت أشجارها بكلمة نعم أكثر من دروب هذه الأديان؟
 
الله هو الحياة وعبادة الحياة أي محبتها واحترامها والخشوع لقداستها هي العبادة الحق. وموقف هؤلاء المفكرين الغربيين من أديان الشرق سببه محاولة حجب نور هذه الجواهر عن الغرب، سببه قِلّة من العلماء والمفكرين والدعاة الشرقيين لم يفهموا المعنى والمغزى بل تعلقوا بالنصّ والمبنى، لكنهم قِلّة لم يتأثر بها نهر هذه الأديان الصافي الشافي المُعافي لقلب ونفْس الإنسان. قلّة لم تنهرْ مع تيار هذه الأديان حتى فهي لا تزال على الشاطىء قلوبها عطشى ولم تنزل النهر بعد لتروي عطشها.
 
هذه القِلّة لم تفهم جوهرة الأديان فلم تُحِب ولم تحترم الإنسان، لم تُحب الحياة، لم ترقص ولم تبتسم. إذهب إلى معابدنا وكنائسنا ومساجدنا ولن تجد عبير الزهور ونبض الحياة، زقزقة العصفور وأسرار الحياة. ستجد جديّة وكآبة وتعب وتنسى معنى الإبتسامة والحياة.
 
بعض المسيحيين يقولون بأنّ المسيح لم يضحك في حياته. أنا لا أصدق ذلك ولا يمكن أن أصدق فالمستنير يعرف المسيح أكثر مما يعرفه أتباعه. لا بُدّ وأن المسيح ابتسم وضحك طوال حياته. في الواقع لقد بلغت ضحكته ذروتها حين قرر اليهود صلبه لأن الأمر برمّته يدعو للضحك. المسيح يرى هؤلاء الأغبياء يحاولون قتل ما لا يمكن قَتله، يحاولون صلب ما لا يمكنهم صلبه. إن محاولة قتل يسوع هي محاولة غبية ولا بُدّ وأنه ضحك على غبائهم فالأيام لا تزال تردد صدى ضحكته لمن يسمع.
 
الكنيسة لم تسمع ضحكة يسوع فبَنَت الدين المسيحي على الصليب أكثر منه على المسيح. لو استمع الكهنة والرهبان للمسيح لارتفعت المسيحية إلى قمم عالية من الوعي الروحي، لكنهم لم يسمعوه بل اهتموا بالصليب، والصليب هو الموت والحزن والجديّة.
 
لو أنهم سمعوا ضحكة المسيح الذي قام لا آهة المسيح الذي صُلِب لعلموا أسرار وعي المسيح الذي لم يقتله أحد ولم يدمّره صليب. الأمر ذاته ينطبق على باقي الأديان وأتباعها وليس على المسيحية فقط. الجميع يهتم بالموت.
 
حين يكون أحدهم حيّاً يتنفّس ترانا لا نهتم به، لا نزوره، لا نكلّمه ولا نكترث لأمره… لم نفكّر يوماً بأن نجلس بجانبه ومحبّتنا نشاركه، لم نرقص ونحتفل معه ولو للحظات ولكن عند الممات…
 
بعد الممات نتذكّره حياً وكأننا لم نعلم أنه كان حيّاً. الآن مات، الآن نبكي ونتذكّر ما فات، ليس قبل هذا. نتذكّر الموت لا الحياة.
 
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !