اقوال علي الوردي

السنة والشيعة يتنازعون علي أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء ، وكل حزب بما لديهم فرحون.
– – – –
صار المسلمون لا يفهمون من الدين سوى القيام بالطقوس الشكلية ثم يرفعون أيديهم بالدعاء “اللهم انصر الدين والدولة”. أنهم يريدون أن يفتحوا العالم ولا يريدون أن يفتحوا بلادهم أو ينقذوها من براثن المرض والجهل والفاقة.
– – – –
ينشأ الإنسان عادة في بيئة ذات عقيدة معينة. فهو لا يكاد يفتح عينه للحياة حتى يرى أمه وأباه وأهل بيته وأقرانه يقدسون صنماً أو قبراً أو رجلاً من رجال التاريخ ، وينسبون إليه كل فضيلة. وعقل الإنسان ينمو في هذا الوضع حتى يصبح كأنه في قالب ، وهو لا يستطيع أن يفكر إلا في حدود ذلك القالب. إنه مقيَد ويحسب أنه حر. ولهذ نجد كل ذي عقيدة واثقاً من صحة عقيدته وثوقاً تاماً ، أما المخالفون له فهم متعصبون – تعساً لهم!..

لقد صدق الجاحظ حين قال: ” إن عقائد الإنسان ليست أراديه بل هي مفروضة عليه فرضاً وأنها نتيجة حتمية لكيفية تكوين عقله وما يعرض عليه من آراء ”
– – – – –
الطائفية ليست دينا، أنما هي نوع من الأنتماء القبلي الى مذهب أو شخص معين، والفرد الطائفي حين يتعصب لمذهبه لا يهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية أو روحية، فذلك أمر خارج عن نطاق تفكيره، وكل ما يهتم به هو مايوحى به التعصب من ولاء لجماعته وعداء لغيرهم. أنه بعبارة أخرى ينظر الى طائفته كما ينظر البدوي الى قبيلته. بلغ الصراع الطائفي أوجه عندما حدث التنازع على العراق بين الدولتين الأيرانية والعثمانية حيث صار أهل العراق لا يفهمون من شؤون حياتهم العامة سوى أخبار هذه الدولة أو تلك، وكل فريق منهم يدعو الله أن ينصر أحدهما على الاخرى.

لم يكن أهل العراق في ذلك الحين يعرفون شيئا من المفاهيم السياسية الحديثة كالوطنية أو القومية أو الأستقلال، بل جل ما يشغل بالهم هو الأحساس الديني المتمثل بالتعصب المذهبي. ومعنى هذا أنهم لم يكونوا يعتبرون الأيرانيين أو الأتراك أجانب هدفهم أحتلال البلاد والأنتفاع بخيراتها، وأنما كان كل فريق منهم ينظر الى الدولة التي تنتمي الى مذهبه كأنها حامية الدين ومنقذة الرعية.
– – – –
إذا أراد الشيعة وأهل السنة في هذا العسر أن يتحدوا ، فليرجعوا إلي شعارهم القديم ، الذي اتخذه زيد بن علي وابو حنيقة: ” الثورة علي الظلم في شتي صوره ” ، لا فرق في ذلك بين الظالم الشيعي أو الظالم السني .

ان هدف الدين هو العدل الاجتماعي، وما الرجال فيه الا وسائل لذلك الهدف العظيم. حدثت المفارقة الكبرى على ضفتي دجلة، فالامام الاعظم مدفون على الضفة اليسرى. والامام الكاظم مدفون على الضفة اليمنى، ونسيَ الناس ان اماميهما كانا من حزب واحد اذ كانا من اعداء السلاطين.

عارض ابو حنيفة المنصور بنفس الشدة التي عارض بها موسى الكاظم حفيده هارون الرشيد. وقد مات كلاهما في سجن هذين السلطانين الظالمين. فرق السلاطين بينهما بعد الموت. اذ لم يستطيعوا ان يفرقوا بينهما في الحياة، ولله في خلقه شؤون!!.. قالوا ”ان السياسة مادخلت في شيء الا افسدته “ فدخلت وافسدت مختلف المذاهب والاديان. لقد ان لأبناء الجيل الجديد. ان يتعظوا بعبر الماضي، وان يسلكوا من جديد مسلك قادتهم الاولين في ثورتهم على الظلم بشتى صوره.
– – – –
إن الدين لا يردع الانسان عن عمل يشتهي أن يقوم به إلا بمقدار ضئيل. فتعاليم الدين يفسرها الإنسان ويتأولها حسب ما تشتهي نفسه.
– – – –
قيل أن شخصاً علم القطط أن تحمل الشموع له على مائدة الطعام. فجاء أحد ضيوفه وهو يحمل في جيبه فأراً ثم أطلقه على المائدة. وسرعان ما انطلقت القطط وراءه ورمت الشموع على المائدة لتحرقها وتحرق من كان يأكل منها.

إن الذي يريد أن يغيّر طبيعة الإنسان بواسطة الموعظة والكلام المجرد لا يختلف عن هذا الذي علّم القطط حمل الشموع. فالناس يستمعون له ويتأدبون أمامه ويسيرون بين يديه بوقار كأنهم أنبياء. ولا تكاد ترمي إليهم بشيء ثمين حتى ينطلقوا وراءه متكالبين، إذ ينسون ماذا قال لهم الواعظ وبماذا أجابوه.
– – – –
فالجماعة تكون في فترة الكفاح الأولي متكتلة لا اختلاف فيها ؛ لأن مصلحة الفرد ومصلحة المجموع تكون آنذاك واحدة. أما حين يبدأ النصر وتنهال الغنائم، وحين يترف بضعة أفراد على حساب الآخرين، فتجد غول التفرقة قد أخذ يكشر عن انيابه.
– – – –
إذا أنشغل الناس في المفاضلة بين رجال أحياة كان ذلك دليلاً علي حيوية المجتمع. وهذا هو ما يجري الآن في البلاد الراقية حيث يدور الجدل في أوقات الانتخاب حول فضائل رجال السياسة أو أمثالهم ليعرف الناس ما لهم وما عليهم. أما إذا اختلف الناس في فضائل رجال أموات كان ذلك دليلاً علي مرض المجتمع واقترابه من الموت. ولا يهتم بالموتى إلا الذي يريد أن يموت ويذهب إلي حيث يعيش الموتي عليهم رحمة الله.

الرجال يموتون ولكن مبادئهم لا تموت. وقد صدق أبو بكر حين قال: ” من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ” .

نستطيع أن نقول إن المفاضلة بين الصحابة أصبحت في قلوب المسلمين بمثابة العقدة النفسية تحفزهم نحو الجدال العقيم الذي لا طائل وراءه.
– – – – –
حين يدافع الإنسان عن عقيدة من عقائد المذهبية يظن أنه إنما يريد بذلك وجه الله أو حب الحق والحقيقة. وما دري أنه بهذا يخدع نفسه. إنه في الواقع قد أخذ عقيدته من بيئته التي نشأ فيها. وهو ولو كان قد نشأ في بيئة آخري لوجدناه يؤمن بعقائد تلك البيئة من غير تردد ثم يظن أنه يسعي وراء الحق والحقيقة.

لم يبتكر العقل البشر مكيدة أبشع من مكيدة الحق والحقيقة. ولست أجد إنساناً في هذه الدنيا لا يدعي حب الحق والحقيقة. حتي أولئك الظلمة الذين ملأوا صفحات التاريخ بمظالمهم التي تقشعر منها الأبدان ، لا تكاد تستمع إلي أقوالهم حتي تجدها مفعمة بحب الحق والحقيقة. والويل عندئد لذلك البائس الذي يقع تحت وطأتهم. فهو يتلوى من شدة الظلم الواقع عليه منهم بينها هم يرفعون عقيرتهم هاتفين بأنشودة الحق والحقيقة.
——————————-

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : اقوال وحكم الفلاسفة

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..