الالم والمتعة – القوة التي تتحكم في حياتك

ما الذي يخلق بطلاً ، أو مجرماً ، أو إنساناً فاشل ، أو شخصاً يساهم بدور نبيل في الحياة ؟ ما الذي يقرر تلك الفروق في السلوك الإنساني ؟ لقد حاولت طيلة رحلة حياتي العثور علي أجوبة لهذه الأسئلة ولكن لم يتضح لي إلا أمر واحد : وهو أن بني البشر ليسوا مخلوقات عشوائية ، وكل ما نفعله إنما نفعله لسبب. قد لا ندرك السبب في الواقع ، غير أن هنالك قوة دافعة واحدة دون شك تقف وراء كل السلوك البشري ، وهذه القوة تؤثر علي كل أوجه حياتنا ، من علاقاتنا إلي أوضاعنا المالية إلي أجسامنا وعقولنا. فما هي القوة التي تتحكم فيك الآن وستظل تتحكم فيك لما تبقي من حياتك ؟ الألم والمتعة. كل ما تفعله أنت وأفعله أنا إنما نفعله بدافع حاجتنا لتجنب الألم أو رغبة منا في تحصيل المتعة.

كثيراً ما نسمع الناس يتحدثون عن رغبتهم في إجراء تغييرات في حياتهم. غير أنهم لا يستطيعون أن يحملوا أنفسهم علي متابعة ما يريدون تحقيقه إلي النهاية. فهم يشعرون بالإحباط والارتباك ، بل والغضب من أنفسهم لأنهم يدركون بأن عليهم أن يأخذوا زمام المبادرة ويتحملوا مسئولية حياتهم ويتصرفوا ، غير أنهم لا يستطيعون أن يحملوا أنفسهم علي فعل ذلك ، هنالك سبب مبدئي واحد : إنهم يحاولون مرة بعد مرة أن يغيرون سلوكهم وهو النتيجة ، بدلاً من أن يحاولوا أن يتعاملوا مع السبب الذي يكمن وراء هذا السلوك .

إن إدراك واستخدام قوى الألم والمتعة سيسمح لك بتحقيق التغييرات والتحسينات المستمرة التي ترغب فيها لنفسك أو لمن يحيطون بك. والإخفاق في إدراك هذه القوة بجعلك تعيش في حالة رد فعل طيلة حياتك! مثلك مثل الحيوان أو الآلة . وقد يبدو لك أن الأمر بسيطاً ، ولكنك إن فكرت في الأمر فإنك قد تتساءل لماذا لا تقدم علي فعل بعض الأشياء التي تعرف أن عليك أن تفعلها .

السؤال هنا هو : ما معنى التأجيل والتسويف؟ إنه ما يحدث حين تعرف بأن عليك أن تفعل شيئاً ولكنك مع ذلك لا تفعله ، لماذا ؟ الجواب بسيط : أنك تعتقد بأن اتخاذك إجراء في هذه اللحظة سيسبب لك ألماً أكبر من الألم الذي يسببه التأجيل ؛ ولكن هل خضعت لتجربة تمني شيء ما لفترة طويلة من الزمن بحيث أخذت تشعر بقوة ضاغطة تدفعك لأن تفعل هذا الشيء أو أن تعمل علي تنفيذه ؟ ماذا حدث ؟ لقد غيرت ما كنت تقرنه بالألم والمتعة. إذ إن عدم اتخاذ إجراء ما أصبح فجأة أكثر إثارة للألم من اتخاذ القرار والإجراء.

الإنسان الذي يعاني قبل أن تكون هنالك ضرورة لذلك ! يعاني أكثر مما هو ضروري
“سينسكا”

ما الذي يمنعك من البدء في مشروع عمل جديد تخطط له منذ سنوات ؟ لماذا تتمني أتباع حمية غذائية مرة بعد مرة ؟ لماذا تمتنع عن إنهاء رسالة الدراسات العليا التي يتوجب عليك إعدادها ؟ لماذا لم تسيطر حتى الآن على استثماراتك المالية ؟ ما الذي يمنعك من القيام بأي عمل من شأنه أن يجعل حياتك علي الصورة التي تخيلتها تماماً وترغب في الوصول إليها بشدة ؟

علي الرغم من أنك تعرف تمام المعرفة بأن كل هذه الأمور ستكون ذات فائدة لك ، وأنها ستدخل السعادة علي حياتك فإنك تفشل في القيام بالعمل اللازم لسبب بسيط ، وهو أنك في هذه الآونة تقرن بين ما يتوجب عليك عمله وبين الألم ، أكثر مما تقرن الألم بتفويت وتضيع هذه الفرصة علي نفسك لتحقيق هذا العمل . ماذا يحصل لو أنك بدأت مشروع العمل ذاك الذي ترغبه ولكنك فشلت وفقدت ذلك الشعور بالأمن الذي تشعر به في عملك الحالي ؟ وماذا إن بدأت ذلك النظام الغذائي وتحملت مشاق وآلام تجويع نفشك لتعود وتسترد ذلك الوزن من جديد فيما بعد ؟ ماذا لو استثمرت مالك في جهة ما وكانت النتيجة هي أن تخسر ذلك المال ؟ فلماذا تحاول إذاً ؟!

معظم الناس يخافون من الخسارة بصورة أكبر وأكثر قوة من رغبتهم في الفوز. ما الذي يحرك مشاعرك أكثر : منع شخص ما من الاستيلاء علي الـ 50 ألف دولار التي حصلتها خلال السنوات الخمس الماضية ، أم احتمال تحصيلك مبلغ 50 ألف دولار خلال السنوات الخمس القادمة ؟ الواقع أن معظم الناس يجاهدون للمحافظة علي ما لديهم أكثر مما يفعلون إذا كان عليهم أن يخاطروا لكي يحققوا ما يطمحون حقاً لتحقيقه في حياتهم .

إن سر النجاح هو أن تتعلم كيف تستخدم الألم والمتعة بدلاً من السماح للألم والمتعة باستخدامك ، فإن فعلت فإنك ستتحكم في حياتك ، وإلا فإن الحياة هي التي ستتحكم فيك .” انطوني روبنر “

كثيراً ما يثار السؤال حول هاتين القوتين اللتين تمثلان قوة دفع بالنسبة لنا : ما السر في أن الناس يقعون فريسة الألم ومع ذلك يخفقون في التغيير ؟ لأنهم لم يخضعوا لقدر كافي من الألم بعد ، لم يصلوا بعد إلي ما أسميه بـ العتبة العاطفية ، فإن كنت ترتبط بعلاقة مدمرة واتخذت قراراً في النهاية بأن تستخدم قوتك الشخصية وان تتخذ إجراء لتغيير نمك حياتك فربما كان هذا يعود إلي أنك وصلت إلي ذلك المستوى من الألم بحيث إنك لم تعد مستعداً لاحتماله بعد. ولابد أن أحدنا وصل في مرحلة ما من مراحل حياته إلي حد أن يقول لنفسه : ” كفى ، لن أحتمل المزيد ولابد لهذا من أن يتغير الآن تلك هي اللحظة السحرية التي يصبح فيها الألم صديقاً لنا. فهو يدفعنا لاتخاذ إجراء جديد وتحقيق نتائج جديدة ، علماً بأن الدفع الذي يجبرنا علي التصرف يصبح أكثر قوة إذا بدأنا نتوقع في نفس تلك اللحظة ، بأن التغيير سيخلق قدراً كبيراً من السعادة والمتعة في حياتنا أيضاً.

هذه العملية لا تقتصر علي انهاء العلاقات الفاشلة فحسب. إذ ربما تكون قد وصلت إلي العتبة فيما يتعلق بوضعك البدني أيضاً : ربما تكون قد وصلت إلي درجة عدم الاحتمال بعد لأنك مثلاً لم تستطع أن تحشر نفسك في مقعد السيارة ، أو لأن ملابسك أصبحت ضيقة ، أو لأن نفسك انقطع وأنت تصعد الدرج ، وحينذاك قد تقول لنفسك : ” يكفي ” ثم تتخذ قراراً. ما الذي دفعك إلي هذه القرار ؟ إنه الرغبة في القضاء علي مصدر الألم في حياتك وأن تحل السعادة والمتعة محل هذا الألم. متعة الشعور بالفخر ، متعة الراحة ، متعة احترام النفس ، متعة ممارسة الحياة بالطريقة التي خططتها لنفسك .
اقرأ : تعلم لعبة الحياة علي طريقتك الخاصة

هنالك بالطبع عدة مستويات من الألم والمتعة. فالشعور بالإهانة والذل مثلاً هو شكل حاد وشديد من الألم العاطفي. كما أن الشعور بعدم الراحة هو ألم أيضاً ، وكذلك الشعور بالملل. غير أن من الواضح أن بعض هذه المشاعر أقل حدة من بعضها الآخر ، ولكنها تظل محسوبة في معادلة اتخاذ القرارات. والمتعة أيضاً لها وزنها في هذه العملية ، إن جانباً من الدوافع التي نسبغها علي حياتنا ينتج عن طموحنا بأن ما نقوم بع سيصل بنا إلي مستقبل أكثر قوة وتأثيراً ، وأن عملنا الحالي يستحق ما نبذل فيه من جهد ، وأن المكافأة بالمتعة المتوقعة أصحبت قريبة..

غير أن هنالك مستويات عدة من المتعة أيضاً. فمتعة الجنس مثلاً قد يتفق معظم الناس بأنها الأكثر شدة ، غير أنه قد تتفوق عليها أحياناً متعة الراحة. وهذا يعتمد علي المنظور الفردي لكل شخص ، وعلي حسب ظروفه النفسية ، فروح الإنسان دائماً تسعي للتغير أما للأفضل أو للأسوء ؛ لأنه بدون التغيير المستمر روح الإنسان تضعف وتذبل وتموت ببطيء شديد !!

لنفترض مثلاً أنك تمشي في فترة الصباح ومررت أمام حديقة تعزف فيها سيمفونية للموسيقار المعروف بيتهوفن ، فهل ستتوقف لتسمع تلك الموسيقى ؟ الأمر يعتمد علي المعنى الذي تقرنه بالموسيقى الكلاسيكية. فبعض الناس قد يتركون كل شيء ليستمعوا لأنغام تلك السيمفونية ، إذ إن بيتهوفن يمثل بالنسبة لهم المتعة الخالصة. أما البعض الآخر فقد يعتبرون الموسيقى الكلاسيكية شيئاً مملاً ولا تتجاوز متعتها متعتك وأنت تشاهد الدهان وهو يجف!. فتحمل الموسيقى بالنسبة لهم نوعاً من الألم ، ولذا فهم يسرعون الخطي عائدين إلي عملهم. غير أن بعض الناس الذين يحبون الموسيقى الكلاسيكية لن يقرروا التوقف لسماع الموسيقى ، إذ إن الألم الذي يتوقعون له أن ينتج عن التأخر عن العمل يفوق المتعة التي سيأخذونها من الاستماع لهذه الأنغام التي تحبها آذانهم ، أو قد يعتقدون أن التوقف والاستمتاع بالموسيقى في وسط النهار هو إهدار لوقت ثمين ، وأن الألم الناجم عن القيام بعمل يعتبر طائشاً وغير مناسب أكبر من المتعة التي يمكن للموسيقى أن تثيرها بداخلهم . إن حياتنا تمتلئ كل يوم بهذا النوع من المفاوضات النفسية ، إذ إننا نوازن باستمرار بين الأفعال التي قد نقدم عليها وبين تأثير ذلك علينا.

هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : تغيير الذات

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..