الحب الالهي – الحب الصوفي

ذكرنا في المقالات السابقة أن الصوفية هو طريق يسير فيه الإنسان لكي يصل إلي الحب الإلهي .. وإن كل إنسان له طريقه الخاص ولا يوجد طريقين يتشابهون ولا توجد تجربة تتكرر ، لذلك كل واحد من البشر له طريقه وتجربته في الوصول للحب اﻹلهي وبالتالي تتعدد الطرق بتعدد السالكين ..
 
لكن ونحنوا في طريقنا هل سألنا أنفسنا هو الهدف النهائي الذي نريد أن نصل إليه ايه هو بالضبط ؟ ..هل سألنا أنفسنا ما هو طريق الحب اﻹلهي .. ﻷننا لا يمكن ولن نستطيع أن نحب ما لا نعلمه! .. فهل نحنوا فعلاً عرفناه ؟
 
دعنا نتفق أولاً على الحقائق اﻵتية :
 
– اختلف الناس حول الله اختلافاً كبيراً فتعددت الديانات واﻷفكار ولم يستطع أحد أن يأتي بدليل قاطع على صحة رؤيته .
 
– أدوات اﻹثبات التي يمتلكها اﻹنسان هي أدوات حسية مادية وهي الحواس الخمسة والعقل وتلك الأشياء مجال عملها فقط في العلم المادي المحسوس أما غير ذلك فلا تستطيع هذه الحواس إنها تؤكد شيء تأكيداً نهائياً .
 
– اﻹنسان سواء كان مؤمن بأي دين أو ملحد فهو لا يستطيع إطلاقاً إنه يأتي بدليل نهائي على صحة موقفه ؛ ﻷنها كلها مواقف أكبر من أدوات اﻹنسان الحسية .
 
بناءاً على ما سبق من حقائق نستطيع أن نقول أن الله لا يطلب من اﻹنسان إن يصل للحقيقة النهائية ، وهذا ﻷن اﻹنسان لا يمتلك اﻷدوات التي تمكنه من الوصول للحقيقة ؛ لكن طلب منه إنه يخوض التجربة بنفسه ( رغم إنها لا يقينية ! ) ومن خلال التجربة يأخذ موقف ويكون صادق في اﻹيمان به ويتحاسب بعدها على اختياراته وصدقه ، وليس على الوصول إلى الصواب .
 
طيب. كيف يعرف الإنسان ان موقفه مقبول وإن تجربته تسير في طريقها الصحيح ؟
 
اﻹجابة: إنه يكون في موقفه متوافق مع الفطرة اﻹنسانية التي سبق وقلت إنها هي: القواعد العقلية – وتذوق الجمال – والحب – والذائقة الروحانية .
 
وبعدها لا يهم الطريق الذي سلكه اﻹنسان .. ولا يهم وصول اﻹنسان للحقيقة الصحيحة مادام اﻹنسان كان صادق في اختياره وهدفه هو الحب والآمان أو الحب اﻹلهي .
 
– هدف الصوفية …
 
عقلك محدود .. فالعقل يستطيع أن يتعامل فقط مع المادة وظواهرها فقط ومجال عمله هو العلم فقط .. لابد أن تعترف بهذه الحدود وتكف عن محاولات التمرد على حدود العقل ﻷنها مضيعة وقت .
 
لكن اﻹنسان لا يمكن ولا يستطيع أن يعيش في حدود العقل فقط .. سيشعر إنه مخنوق .. مقيد .. محتاج يطير ويتحرر .. لكن قيود العقل تمنعه .. وهنا يجد نفسه أمام معضلة كبيرة .. فالحل الوحيد إنه يتحرر من قيود العقل .. وهذه ليست مسألة سهلة .. إنما هذا يعني خروج بره دائرة اآمان .. معناه رفض لكل القواعد وبداية البحث عن الطريق معتمداً على نفسك فقط … يعني سوف تصبح مسئول عن كل قراراتك .. ولذلك اﻹنسان يرفض الخروج على قيود العقل حتى لا يتحمل تلك المسئولية الرهيبة .
 
لكن لابد أن تعي وتعلم .. لكي تستطيع أن تتحرر وتتوقف عن سماع الصوت المزعج الموجود بداخلك ( جواك) وهو يقول لك أنا لست مرتاحاً لست سعيداً هناك .. أنا حزين .. أشعر بالحيرة .. لابد أن تعلم وتعي إن عقلك هو الحاجز بينك وبين الانطلاق .. فلابد في تلك اللحظة يسكت العقل وتبدأ طريقك لما وراء العقل .. وهذه هي منطقة الروح التي يفقد فيها العقل كل نفوذه .
 
في صوت جواك يقول لك .. أنا غير قادر ان أتحمل عبثية الحياة .. كل يوم في ظلم ومرض وكوارث وفقر ومآسي ولا أعلم لماذا أتيت ؟ وإلي أين ذاهب ؟ .. كل شيء غامض .. وفي هذه الرحلة لا يوجد سوى الحيرة واللا يقين والتعب والضعف .
 
وهذا الصوت لن يسكت غير لما تقدم له إجابة تجعل حياتك على اﻷرض لها معنى .. وإنك تشعر إن لك دور في هذه الحياة .. لكن العقل لن يستسلم أبداً فهو سيغريك بإنجازاتك الوهمية في الحياة لكي تظل في دائرة اآمان .. هيغريك بالمركز والمال ودورة الحياة المعتادة وتفاسير اﻷديان التقليدية .. سيحاول بكل قوته إنك تكتم صوت الحياة داخلك !
 
وهنا تبدأ أول خطوة للتصوف عندما تستطيع أن تغلب إغراءات العقل وتترك المجال لروحك لكي تقودك في رحلة البحث عن المعنى ..
 
في هذا الطريق هناك قائد في نهايته يقول لك تعال ، اقترب ، هنا الحياة .. ويشجعك .. وعلي طول الطريق العقل لن يستسلم فيضع لك عقبات وإغراءات لكي تصرفك وتشغلك عن الطريق .. لكن القائد في النهاية مطمئن إنك مهما انشغلت بإغراءات العقل وعقباته فهناك نفخة من روحه بداخلك تحافظ على شعلة روحك مشتعلة يمكن تتبعها في يوم ما .
 
هتدرك وهتعي إنك تسير في الطريق الصحيح عندما تحمل الهم اﻹنساني .. وعلى رأي كزانتزاكيس ( وحده الذي يتخلص من جحيم ذاته هو الذي يشعر بالجوع حين يرى أبناء جنسه يتضورون جوعاً ويقفز فرحاً حين يرى امرأة ورجلاً يتبادلان القبل )
 
شغلتك طول الطريق إنك تشعر باﻹنسان وتحمل له الحب وتعمل من أجله وبالتالي فالتصوف عمل ليس مجرد أفكار .. التصوف هو أن تعمل كل شيء تستطيعه من أجل الناس .. من أجل الحــب ..
 
وطول الطريق عين روحك على القائد الذي ينتظرك في نهاية الطريق لكي تسمع توجيهاته .. تسمعها بأذن الروح لا أذن الجسد لكي تقدر أن تصل لك بدون أن يوقفها ويعطلك عقبات العقل وإغراءاته.
 
أما إذا رغبت في البقاء في دائرة الآمان ، فأبعد عن طريق التصوف وكن مستقراً مع العقل وعقباته وإغراءاته .
 
الخلاصة: هدف الصوفية هو إنك تتحرر من قيود العقل وتبدأ في السير في طريق الروح من أجل الحـب اﻹنساني لكي تستطيع أن تصل إلى الحب اﻹلهي .. وبالتالي فالتصوف طريق عمل لا طريق كسل .. وهو طريق تعب لا طريق راحة .. وهو طريق حيرة لا طريق يقين .. وفي نهايته هناك الله يوجهك بما غرسه في روحك من إيمان يسهل عليك الطريق بشرط تبص له بروحك لا بعقلك !
 
أحمد مجدي
 
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : نحو الصوفية

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..