الضياع النفسي – بين الخوف والرغبة

بين الرغبة و الخوف…
 
و ها هي البشرية تشهد نفس اللعبة لكن بزينة مختلفة هذه المرة. معروفة لعبة الحياة على مر العصور لكن بمجرد أن يتدخل المخ في الكيفية يصبح الوهم حقيقة رغما عن الفرد الواحد. اللعبة التي وضعها شديد القوى و ألحق بها خريطة الطريق حتى تعتمد كل نفس على زادها الذي يخفف عنها شدة الوقعات, بما أن هناك من لا يرتاح إلا اذا تلذذ بالنيل من اللاعبين.
 
هذه النفس التي لا تعرف ما هيتها و لا نفسها بنفسها حتى ، تغفل كثيرا عن أساسيات اللعبة و كثيرا ما تعير انتباهها لمغريات تسمى باسم: الطريق المختصر لكوني الوحيد المنتصر حتى و لو كان ذلك على حساب المُحتضَر.
 
تحمل المغريات ألوانا جذابة تتلاءم مع جوهر المخ و تمثل البنية التحتية المحاكة للإيقاع بمن يعتمد على الوهم في اجتياز مباريات اللعبة.
 
و مجددا تجد البشرية نفسها محاطة بكم هائل من الألغام التي لا تكاد تظهر للعيان على أنها كذلك ؛ لاندساسها في ما يُلهي عن سواء السبيل. و هذا ما تحكمه قوانين الرغبة بالضرورة.
 
الرغبة والتي تعد الإله المعبود لمن لا إله له و التي تُتَخذ كذريعة لتبرير الأنانية لمن يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة التي لا يشوبها شك و لا تدليس و هذا الذي يُعَد لونا من ألوان الجهل بعينه.
 
تنتحل الرغبة صفة الايجابية التي تعطي كل الحق للغرور في الظهور في عالم الديانات بما أن هناك من أعطاها صبغة الألوهية ، والتي تقدم كالآتي : الرغبة الجامحة في الركض وراء الماديات و كونها العامل الذي يجعل الانسان ذا قيمة و هنا إما أن يصبح الفرد الواحد مركز استقطاب للمادة مهما كلفه الأمر أو أنه يتخذ من المادة إلها دونيا يحصل عليه بإله أعلاه و كلا الحالتين شرك مع و بالذي ليس كمثله شيء: الواحد القهار.
 
قانون الرغبة الذي تلعبه شخصيتين: منقذ البؤساء و البائس الموعود بالكنز. أما المنقذ فتربته الخصبة نفس يئست من ملامح الحياة و أصابها فتور من ركودها و عدم قدرتها على خوض التجربة البشرية و أما البائس فدرعه الأنانية بما يعانيه من هزيمة و ذل أمام ذاته و دواؤه تعظيم الغرور بكل ما يجده متوفرا على قارعة الطريق. و يصبح المنقذ مُبشر القبيلة المتوهمة الذي استبدل حكمة الله بالمادة المخلوقة تحت اسم القيم التي تُردد باستمرار على مسامع المحتارين في أمرهم: السعادة و المال و الامتلاك و الحرية و القوة و النفوذ و التحكم في القدر و ربما حتى قابلية التشاور مع الله عن الغد…
 
يقول الله = و رحمة ربك خير مما يجمعون.
يقول الله = ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب.
يقول الله = و ما عند الله خير و أبقى.
يقول الله = و في السماء رزقكم و ما توعدون.
يقول الله = إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
يقول الله = اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو.
 
و الخيبة عندما تصبح اللعبة من تتلاعب باللاعب و ليس العكس. نظرا لمحدودية القدرة البشرية في رؤية الصورة الشاملة يتعرض البائس لخدعة التالية: الركض وراء المادة مع الحصول عليها أحيانا لكن بشرها الفتاك الذي لا يهنؤ له بال.
 
و هذا هو فخ العصر الحديث الرغبة المُؤلَهة المتحيزة للجانب النفسي الزائف ألا و هو الغرور.
 
سؤال مهم: ما الذي جعل البائس بائسا و جعل من المنتهز منقذا ؟
 
الجواب:
البيئة التي تشبعت بأكذوبة الخوف من الله و التي تبنتها ملايين العقول على مر السنين المنصرمة.
 
الخوف الحِلية التي عَقَمَت العقلية الهمجية القديمة المحبة للسيطرة و التي جعلت الانسان حكرا على الانسان يتحكم فيه كيف يشاء و يفرض علية ما يحب من الأحكام البشرية بحجة انتمائها إلى مفهوم العقيدة المقدسة.
 
إما الامتثال للأوامر دون السؤال و إما العقاب البشري قبل الإلهي. و كأن الحكمة من الخلق التعذيب و كبت الإنسان ليس إلا.
 
طريق الخوف الذي يعج بلافتات الترهيب و التأنيب و الإنذار و التعزير أي السلبية المثبطة للتفاؤل بأم عينها.
 
طريق مظلم ساهم في ولادة أجيال تملؤها جُل الآفات التي عهدناها من كذب و خيانة و نفاق و إنكار للنعمة.
 
صارت هذه الآفات ذات شعبية ملحوظة ؛ لأنها تُكنى بأسماء غير أسمائها فصار الكذب و النفاق غموضا. و النميمة و التجسس و الغيبة تحقيقا. و صار التحليل و التحريم إصلاحا بموجب فرضهما غصبا حتى و إن كان افتراء على الله.
 
تغيير أسماء الآفات المخلة بتوازن الفرد مع نفسه و مع غيره اٌستُبيح حتى صار الكل يظلم بحجة أنه مظلوم أصلا. فصل جديد من مسرحية الخوف يمر على الجميع دون أن يشعروا ، وهو الهروب من تحمل مسؤولية الخطأ و لعب دور الضحية الذي لا نهاية للمصائب التي يجرها معه.
 
الضحية التي تستخدم عبوتيها الناسفتين لها = تبرئة النفس و لوم النفس المقابلة كمحاولة تحديث الخارج بداخل مُدَمر.
 
عوض النظر الى الداخل لرؤية الخارج بوضوح.
و هكذا…
 
بعد أن حل الظلام على النفوس التي تجاهلت نفسها و التي تحاول النيل من الآخر لتبرير ما لم تعييه من أخطاء ، وصلت الأمور الى حد الثوران. لابد للكبت أن يتحرر و إلا انتحر الفرد. لكن هذا الأخير لا يريد الانتحار دون أن يأبه به أحد لأنه لم يأبه بنفسه حتى. هذه النفس التي أهملها و لم يعرفها يوما لا تسمح له برؤية ما حوله بوضوح فيلجأ الى إفراغ شحنة ظلامها بالسطو على البيئة دون أن يدري أنه يقع تدريجيا في غم آخر و هكذا دواليك. حلقة مفرغة من الضياع الداخلي التي تحكم على الفرد بالفناء.
 
أسماء الحياة
 

هل ساعدك هذا المقال ؟

 

تصنيفات : تغيير الذات,قوانين حياة من القرآن

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..