لماذا اختار الأمريكان ترامب: دروس مستفادة

أولأً: من حق الأمريكان أن يختاروا من يريدون كرئيس لهم، هذا حق حصري وهذه هي الديمقراطية، كما من حق السوريين أن يختاروا ما يريدون وهذا ليس خياراً لا لروسيا ولا إيران ولا السعودية ولا أمريكا ولا تركيا ولا غيرهم. عندما تترك الناس يختارون فإنهم يتعلمون ويتحملون المسؤولية، بينما عندما تتدخل في خياراتهم فإنهم يستمرون بالصراع والمعاناة.
 
مع ذلك فمن حق الناس، بالذات المحللين والمختصين، أن يعلقوا ويحللوا ويستفيدوا من التجربة. كثيرون يسألون لماذا اختار الشعب الأمريكي ترامب؟ لماذا تختار الشعوب العربية الثورات المدمرة؟ لماذا يختار أناس (ليس بالعدد القليل كما يُصور) داعش كخيار؟ لماذا يختار الشعب البريطاني الخروج من الاتحاد الأوربي؟ لماذا جل الشرق الأوسط يختار المتشددين والمتعصبين؟ لماذا اختار الشعب المصري مرسي (الاخوان المسلمين)؟ لماذا اختار الألمان هتلر؟ إن هناك علم نفس اجتماعي عميق وراء هذه الأسئلة، سأحاول هنا فتح بعض الإجابات لها من وجهة نظر سيكواجتماعية:
 
التغيير: هذا السبب الأعمق، وهو السبب وراء الخيارات اليائسة أحياناً. إن الناس تحتاج للتغيير وهم متعبون من التطور البطيء في السياسية ولعبتها الكاذبة. هم يرون أن السياسة بشكل عام معيق للتطور لهم حالياً. هم يختارون المغامرة بخيارات مثل ترامب أو داعش أو صدام أو هتلر أو مرسي.. الخ. إن المغامرة هي 50/50؛ لأنهم يدركون أن خياراً مثل كلينتون أو نفس الملك، أو نفس الحزب، أو نفس الحكومة، يعني أن لا تغيير. الأمريكيون اختاروا أباما من أصول سوداء للتغيير. إن التغيير هي الكلمة السحرية.
 
التظاهر: السبب الثاني، ومرتبط بالأول، هو أن الناس يريدون أن يقولوا للسياسيين الفاسدين سنعاقبكم. هي وسيلة للتعبير بما يستطيعون. هم لا يستطيعون أن يقوموا بانقلاب عسكري، هذا ليس بقدرتهم. وهي مثل الحملات التي تشن في الوطن العربي ضد شركات الاتصال أو شركات الأغذية أو غيرها هي حملات ضد الدولة لكن هذا المستطاع؛ فالدولة ستسحقهم لو تظاهروا ولو سليماً! وهم حتى لا يصوتون في اختيار أي شيء. إن اختيار ترامب هي رسالة للأثنين اليسار (الديمقراطيين) واليمين (المحافظين) بأننا لن نختار الأفضل منكم بل سنختار من يقف غصة في حناجركم، سنختار من يلقنكم درساً لما سلبتموه منا بالكذب والمراوغة. فهو خيار العكس لا خيار الشخص، حتى كثيرين ممن صوتوا لكلينتون صوتوا لها خوفاً من ترامب أي ضده وليس رغبة في كلينتون.
 
السقوط في البندول: أنا دعمت فكرة هيلاري كلينتون في البدايات، وكنت أرتوت لها بعض التغريدات، لكني لما رأيت أنها وقعت في بندول الصراع وبندول الضد والذي لا يقدم فقط يصارع عملت لها أنفولو. نجح ترامب في جلب كلينتون في بندوله ولعبته وصراعاته. واخفقت هي في طرح البدائل للصراع. إن مدراء حملتها لم يكونوا واعين بذلك. الواعون لا يسقطون في بندولات الخصوم أو المحاربين. ما يفعله قادة داعش كاستراتيجية هو ذلك: ادخال الناس في حربهم. هم يتغذون طاقياً من طاقة الآخرين.
 
فائض احتمال: (مصطلح آخر من فاديم زيلاند)، كلينتون دخلت في فائض احتمال. انفجرت في الصراع وضغطت واستخدمت طاقة عالية وتوسلت كثيراً للأصوات. ترامب، بالمقابل، هو هو كالعادة مقاتل شرس، عنيف، واضح.. لكن كلينتون لعبت دوراً مختلفاً عنها، لعبت دور المحارب والسياسي القوي، والذي لا يمثل شخصيتها. إن أمريكا كانت بحاجة لقلب أنثى وليس رئيساً قوياً، لو كانت أمريكا تحتاج رئيساً قوياً فخيار ترامب أفضل! هي لعبت اللعبة الخطأ وولدت فائض احتمال لشيء غذاه هو وليس هي.
 
ماذا الآن؟
 
للأمريكان: اصنعوا أفضل ما يمكن من ترامب. هو لن يكون عنيفاً الآن، بل سيلين وسيلعب سياسة. لن يؤذي المسلمين ولن يؤذي المكسيكيين. لن يعمل هذا في أمريكا، فالنظام أقوى منه، على الأقل حالياً. الذي يمكن للأمريكان أن يعملوه هو التخطيط والاستعداد للمرحلة القادمة، فهذا حدث أيام فوز جورج دبليو بوش. الكثيرون شعروا بالاحباط، وبوش رفع راية الجهاد وحمل سيفه وحارب كل “حسين” في العالم، فما الذي جرى؟ جاء “حسين” ونام في سريره وأخذ كرسيه وحكم بلده! إن الرئيس القادم للولايات المتحدة سيكون من يحاربه ترامب! سجل هذه للتاريخ.
 
للبقية: ما يحدث “هناك” لا يؤثر بك “هنا” دون إذنك. أنت تصنع عالمك الذي تريد. إن نيتك لا تؤثر في صناعة عوالم الآخرين. لا تجرب ذلك! لا تضيع الأوقات! ركز على خياراتك التي تريد وأولئك الذين يريدون أن يكونوا معك أو تكون معهم في هذه الخيارات. اصنع عالمك. إن الحياة تستمر، والشمس ستشرق في الغد، والعالم سيكون بخير، وليس هناك قوة تستطيع أن تهزم أو توقف الحياة. أنت الحياة. اصفح صفحة وكن ما تشاءُ وعش اليوم أفضل من الأمس.
 
نامستي!
 
دكتور صلاح الراشد
 
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : مقالات ثقافية متنوعة

2s تعليقات

  1. أقترح وضع رابط المصدر الأصلي عند نشر مقالات الكتاب الآخرين, لضمان الحد الأدنى من حقوق الكاتب. مع الشكر 🙂

    رد
    • عندك حق. غالباً ما أفعل ذلك ، ولكن للأسف نشرت هذا المقال بسرعة ونسيت أن أفعل ذلك ؛ لأنني كنت أعمل علي مراجعة كتاب قوانين حياة من القرآن ، وكنت في ذلك اليوم مرهق واعجبني المقال ونشرته ونسيت أن أضيف رابط صفحة الدكتور صلاح الراشد في نهاية مقاله .

      شكراً لتعليقك ♥
      .

      رد

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..