الرئيسية أعرفعاهات وتقاليد الحركة النسوية في العالم العربي

الحركة النسوية في العالم العربي

بواسطة عبدالرحمن مجدي
462 المشاهدات
ج ك رولينج - اغنى نساء العالم
في بيتنا نسوية.. (مقال)
 
###
 
في بدايات العصر الحجري.. كان هنالك حفل زفاف بسيط اقتصر على عشر قبائل ضخمة.. تزوج فيه رجل حجري من امرأة حجرية.. كانت هدية العريس للعروس عبارة عن قرون كبيرة لوعل الجبل.. جلد نمر مرقط.. وسنجابا أبيض طارده ليوم كامل.. وبعدما أكل المدعوون وشربوا وغنوا ورقصوا وانفضوا عائدين إلى كهوفهم.. اختلى الرجل الحجري بامرأته.. وبعد ما قضوا وقتا حميما في كهفهما كما فعل جون سنو مع رفيقته.. اكتشف الزوجان أن القبل لا تشبع البطن.. وريق المحبوب لا يروي العطش.. وأنه ليس بالحب وحده يحيا الإنسان.. وإن كان للحياة أن تستمر، فلا بد لهما من اصطياد حيوان ما وطبخه.. وكون الاثنان كانا ماهرين في الصيد والطبخ.. فقد كان هنالك حيرة حول تقسيم العمل بينهما.. من يطبخ ومن يصطاد؟
 
وبعد فترة من المداولات.. وقف الرجل وامرأته مقابل بعضهما البعض.. وبما أنهما كان عاريين بسبب ما كان يحدث بينهما سابقا.. نظر كل منهما إلى جسد الآخر.. وقررا على الفور أنه نظرا لقوة الرجل العضلية فهو من يجب أن يقوم بالصيد.. وستقوم المرأة بدورها بطهي الصيد.. وهكذا تم أول اتفاق لتوزيع الأدوار الأسرية في التاريخ.. أنا أصيد وأنت تطبخين.. لا أحد أقل من أحد.. ولا أحد أفضل من أحد.. هذه شراكة وكل منا يقوم بدوره فيها.. لاحقا عندما أثمرت ليال الكهف الجميلة عن أطفال حجريين صغار.. تأكد لهما صحة توزيع الأدوار هذا.. لأن الأطفال الحجريين كأي أطفال آخرين، تعلقوا بأمهم بسبب الرضاعة.. وبالتالي، لم يكن من المنطقي أبدا أن تخرج الأم للصيد، وتلاحق الوعل الجبلي على المنحدرات بينما يتعلق أطفالها بصدرها.. واستمرت حياة تلك الأسرة على هذا المنوال.. شراكة بين رجل وامرأة.. يؤدي فيها كل منهما عمله، ويضع ناتجه على طاولة الطعام في المساء..
لاحقا.. تعقدت احتياجات الإنسان الحجري وتوسعت.. ولم يعد الغزال الذي يتم اصطياده كل يوم يكفي للحياة.. إذ كان لا بد بالإضافة للطعام من مسكن.. وملبس.. وأثاث.. وعلاج.. الخ.. وهنا ظهر مفهوم جديد في البشرية.. وهو أن يعمل البشر لدى بعضهم البعض أو أن يبيعوا منتجاتهم لبعضهم البعض.. وهذا كان شيئا جديدا على البشر فرضته الحاجة.. فالحيوانات مثلا لا تفعله، لأنها لا تحتاج إلى بعضها البعض مثلنا.. المهم أن نمط التغيير في العمل هذا حدث عند الرجال دون النساء.. النساء لم يتغير عليهن شيء.. عملهن في المنزل بقي كما هو.. الطبخ والعناية بالأطفال والخياطة والخ.. ولأن عمل الرجال هذا عند الآخرين كان متفاوتا.. نوعيته تتفاوت ومدده تتفاوت.. فليس من يصطاد وعلا، كمن يصطاد ثلاثة.. وليس من يملأ جرة ماء من النبع كمن يحرث حقلا.. ظهرت حاجة إلى تقييم هذه الأعمال بالمال.. هذا العمل يكلف عشرة عملات.. وذلك يكلف خمسة وهكذا..
 
في الظاهر.. أن شيئا ما لم يختلف على الأسرة (موضع الدراسة هنا).. فصحيح أن الأب تحول من صائد غزلان لمصلحته إلى صائد غزلان لمصلحة الآخرين أيضا.. لكن بقي ما يقوم به تجاه أسرته على حاله.. يخرج في الصباح ليصطاد الغزلان.. يبيعها.. ويعود لهم بالمساء وقد اشترى ما يحتاجونه.. بينما تعمل أمهم معهم خلال النهار وتطهو في نهاية اليوم ما يحضره الأب.. مرة أخرى يضع الطرفان جهدهما “المشترك” على مائدة الطعام في نهاية اليوم.. لكن مع مرور الوقت.. اكتشف الأب شيئا مهما جدا.. وهو أنه في بعض الأيام، لن يضطر لإنفاق كل المال الذي كسبه.. لأن العائلة ببساطة لن تحتاجه كله.. فإن كان يكسب عشرة عملات في اليوم.. قد يصرف منها ثمانية.. ويحتفظ لنفسه بعملتين.. هذا الاكتشاف العظيم هو ما غير حياة الرجال والنساء على السواء.. لأنه مكن الرجل ولأول مرة من “تخزين” ناتج عمله.. بينما المرأة لا تستطيع عمل ذلك.. لا يمكنها تخزين ناتج عملها أبدا.. فبالإضافة إلى أن أحدا ما لا يقيم عملها بشكل مادي.. ويعطيها العملات في نهاية اليوم مقابل ما تقوم به.. فإن ما تقوم به يستهلك خلال النهار.. لا يمكنك تخزين العناية بالأطفال مثلا.. أو تخزين التنظيف.. أو الطهي..
 
مع مرور الوقت أكثر فأكثر.. ظهر جليا تأثير عملية تقييم الاعمال تلك.. فبينما بقيت المرأة على حالها, تمكن الرجل من جمع ثروة من العملات.. نسبها بالطبع لنفسه.. وتعلّم التجارة بها وتنميتها.. بل وتحويلها إلى ممتلكات.. وهذه كانت بداية ما يعرف ب”النظام الأبوي”.. تركز الثروات في أيدي الرجال وسيطرتهم على المجال العام.. بالإضافة طبعا إلى القوة العضلية.. خلقت لديهم نوعا من احتقار النساء واحتقار أعمالهن ودورهن في الحياة والنظرة لهن بنظرة دونية نوعا ما.. وصار الرجل يعد نفسه هو الذي يعمل فقط من أجل الأسرة.. بينما المرأة لا تقوم بأي عمل فعليا.. ومهام البيت هذه ليست أكثر من “جلوس” في البيت.. وهذا شيء يمكن ملاحظته في الثقافة الشعبية والمفردات حتى إلى يومنا هذا .. “هل زوجتك تعمل؟”.. “لا.. جالسة في البيت”..
 
المهم.. أن الأمر لم يتوقف فقط عند احتقار عمل المرأة في بيتها بعد خدعة التقييم تلك.. بقدر ما امتد ليشمل كل شيء آخر.. ففرض الرجال سلطات واسعة جدا على النساء تتجاوز بشكل كبير ومتعسف.. سلطة الرجل الطبيعية والمقبولة على زوجته.. وتم منع النساء من ممارسة الكثير من الأدوار الاجتماعية في المجال العام.. كالتعليم مثلا الذي يفترض أنه حق للجميع.. ففي الستينات مثلا.. كاد السماح بتعليم البنات أن يحدث ثورة على النظام في السعودية.. وليس المجال الاجتماعي فقط من تم تحويله لمصلحة الرجل.. بل الدين نفسه -ومن خلال جزئية الفقه فيه- قد تم تحويره أيضا بوعي أو بلا وعي.. (وهنا من المهم جدا التمييز بين الشريعة والفقه.. الشريعة هي القرآن.. الفقه اجتهادات البشر).. فآية واضحة مثلا كآية الخلع.. ” فلا جناح عليهما فيما افتدت به” لم يتم تحويلها إلى قانون إلا بعد ألف وأربعمائة عام من نزول القرآن وبضغط اجتماعي كبير..
 
ولأن أي فئة من المجتمع تتعرض لتهميش وظلم لا بد لها من ثورة.. ولأن النساء ظلمن حقيقة في موضوع الثروات هذا.. فقد نشأت النسوية كحركة مدنية للدفاع عن حقوق النساء.. لكن المشكلة كانت.. أن النسوية -كما يبدو لي- لم تستوعب تماما كيف سيطر الرجال على مناحي الحياة.. وبدلا من أن تفهم خدعة تخزين قيمة العمل هذه.. وكيف أثرت في نظرة الرجال للنساء.. فقفزت لمعالجة النتائج واعتبرت أن أس المشكلة ليس عدم تقييم عمل النساء في بيوتهن.. بل أن النساء لا يعملن خارج البيت.. وقالت للرجال.. أنتم تنظرون لنا بدونية وأننا لا نستطيع العمل.. لا.. نحن نستطيع (مع صورة المرأة التي تبرز عضلات يدها)! وإن كان المال هو ما يمنحكم السيطرة علينا.. فسنعمل ونمتلك المال أيضا.. وننال حرية قرارنا.. وساهمت طبعا الحروب العالمية والثورة الصناعية بهذا الأمر.. فخرجت ملايين النساء من بيوتهن للعمل في المصانع والشركات.. وصار بإمكان المرأة لأول مرة أن تكسب من عملها كما يفعل الرجل.. لكن الطريف البائس هنا.. أنها مع ذلك لم تتخلص من عملها الأول.. فصار لزاما عليها أيضا أن تعمل في البيت كما في المصنع.. لأن الأطفال لن يرضعوا من ثدي أبيهم.. ولن يحل بأي حال من الأحوال مكانها.. أي أن النسوية لم ترفع الظلم القائم على النساء بقدر ما سعت إلى معاكسة تأثيره.. وأوكلت هذه المهمة للنساء عبر الخروج إلى سوق العمل.. والتفريق بين هذين الأمرين مهم جدا..
 
عندما تقول النسوية أن حل المرأة يكمن في أن تعمل لتكسب استقلالها المادي بعيدا عن تحكم الرجل.. فإن هذا الكلام وإن كان صحيحا فعلا ويمنح المرأة استقلالا ماديا فعلا.. لكنه في الوقت نفسه يحمل ذات النفس الإحتقاري الموجود عند الرجال لعمل المرأة في بيتها.. أي أنه بينما كان الأولى أن تحلّ المشكلة من جذورها، ويتم إعادة تعريف العالم لتقدير عمل تلك المرأة في بيتها.. وفهم الظلم التاريخي الذي لم يمكنها من تخزين قيمة عملها وتنميته كما فعل الرجل.. تمت مطالبة النساء ببذل جهد مضاعف.. داخل المنزل وخارجه..
 
وطبعا هذا الحل الأعوج.. وإن ساعد الكثيرات بتكلفة عالية دفعنها ودفعها الأطفال.. إلا أنه لم يوقف ظلم الرجل تجاه أولئك اللواتي لا يستطعن العمل لسبب أو لآخر.. إما بسبب انعدام التعليم.. أو قلة فرص العمل.. أو وجود أبناء يحتاجون وجودها بشكل دائم.. الخ.. فصار من الطبيعي جدا أن تجد امرأة تقاسمت مع رجلها حياته لمدة خمسة وعشرين سنة.. بذلت فيها كل عمرها من أجل بيتها وأطفالها.. ترمى في نهاية العمر مع حقيبة ثيابها خارج العش الذي بنته.. لأنه ببساطة لا تملكه.. كل العمل الذي قامت به طوال كل تلك السنين ذهب مع الريح.. وهؤلاء لا تستطيع النسوية أن تفعل شيئا لهن.. ولا تريد.. بل تلومهن لأنهن لم يعملن.. فالنسوية هنا أشبه كقائد يدافع عن قلعة.. وبدلا من صد هجوم المعتدي وإغلاق بوابات القلعة.. يأمر جنوده بأن يحمل كل منهم سلاحه.. فمن حمل سلاحه نجا.. ومن لم يملك سلاحا مات.. واعتبر القائد بذلك أن المشكلة قد حلت..
 
هذا طبعا كله ناتج عن غياب تنظير حقيقي من داخل الحركة النسوية.. واعتماد الغضب وردّات الأفعال والشعبوية كمصادر للأفكار.. والأهم هو اعتماد المساواة بدلا من الخصوصية كمحور فكري تدور حوله الحركة النسوية.. وكأن امرأة في الخمسين طلقت وألقيت إلى الشارع وانتهى بها الأمر تتسول نفقتها من قاض لا يكلف نفسه عناء النظر إليها.. سيهمها كثيرا أن تتسلق امرأة قمة إيفرست.. أو ستداوي جراحها فكرة أن تصبح فلانة بنت فلان أول حفارة قبور أو أول مصارعة ثيران..
 
هذا طبعا عدا عن انحدار النسوية، من باب عدو عدوي صديقي.. وكل من يعادي الرجال فنحن معه.. نحو مناصرة قضايا لا أخلاقية ومنفرة مثل الشذوذ الجنسي.. مع الأخذ بالاعتبار طبعا أن لا كابوس أكبر لامرأة حقيقية من أن تستيقظ ذات يوم, لتجد ابنها المراهق والرجل الذي تحلم ببنائه يرغب في أن يرتدي قميص نومها.. ومع ذلك.. تكرر النسوية على مسامعهن.. أن عليها أن تتقبل انتكاس الفطرة هذا لأنها نسوية.. وأنه لا يمكنك أن تكوني نسوية ما لم تدعمي حقوق الشواذ.. وعليه فقس.. محاولة النسويات هدم الدين كاملا.. (وليس الفقه الذكوري فقط).. التباهي بالإلحاد.. تشجيع قتل الأجنة عبر “حق الإجهاض”.. والخ من مخازي كافية لهدم أي حركة اجتماعية من أساسها.. واعتبار أصحابها من المجاذيب..
 
إذا كان للنساء أن يقلبن التاريخ.. ويعدن الأمر إلى المربع الأول حيث يتساوى الرجل والمرأة.. ويتم تقدير جهود المرأة في بيتها كما يقدر الاقتصاد جهود الرجل بالمال.. فيتم ذلك على أرض الواقع وعبر عكس المعادلة الأساسية الخادعة التي استأثر فيها الرجل بفائض نتاج عمله.. ولنقل كبداية عبر فرض قانون يمنح المرأة نصف ممتلكات زوجها في حالة الطلاق كما هو معمول به في الولايات المتحدة.. قانون كهذا يعني في فلسفته أن كل عمل المرأة في بيتها لم يضع هباء منثورا.. وأنه إن لم يقيم ماديا بالنسبة لها.. فيمكن إعادة تقييمه عبر اعتبار أن كل قرش قد كسبه زوجها أثناء زواجهما لها فيه النصف.. تماما كما ناصفته عملها في البيت.. ولفرض قانون كهذا.. الذي من شأنه أن يحجم قهر الرجال للنساء بنسبة لا تقل عن 90% .. فيجب على النسويات ومن يناصر قضيتهن العادلة أن يبذلوا جهودا سياسية وتشريعية لجعله قانونا نافذا.. ينطبق على الغني والفقير والصغير والكبير..
 
طبعا قانون كهذا من شأنه أن يثير الكثير من الجدل.. في وسط الناس أولا.. الذين يتحسسون من فكرة أن تمتلك الزوجة نصف بيتها ولو كانت ساهمت فعليا عبر راتبها في شرائه! وفي وسط رجال الدين الذين يتعاملون مع الدين بمنطق الحاوي.. لأن هذا السؤال بالتحديد “هل يحق للمرأة نصف ممتلكات زوجها بعد الطلاق” قد طرح بالفعل على رجال الدين.. لكن الرد كان “لم نجده في كتبنا”.. مع أنه لا يعارض قيمة العدالة في الشرع أبدا.. ويمكن بالقليل من الضغط جعله واقعا.. هو وقوانين أخرى ممكنة قد تخلق واقعا فعليا على الأرض.. واقعا يغير حياة النساء وينصفهن.. ولا يأخذ من حقوق الرجال بقدر ما يضعها في مكانها الصحيح….
 
في الختام، النسوية حركة بدأت لهدف نبيل.. لكنها انحرفت كثيرا عن المسار الذي كان يجب أن تتخذه.. إما بسبب غياب التنظير أو بسبب سيطرة بعض المخبولات على التيار (على الأقل في عالمنا العربي).. لكن الواضح أنه إن كان هنالك من أمل في نصرة النساء المستضعفات في هذا الجزء من العالم.. فبالتأكيد لن يكون عبر كل هذا الترف الفكري العبثي المستورد.. إما أن تعود النسوية نحو مسار عادل “وواقعي” للمطالبة بحقوق يمكن فعلا انتزاعها باستخدام أدوات المجتمع نفسها ودون معاداته واستفزازه.. وأن تسعى بجد نحو مناصرة النساء في ظروفهن الطبيعية واحترام خياراتهن الفطرية.. أو أن تستمر في اسطوانتها المشروخة أن الحل السحري هو كل الرجال قمامة.. وإيجاد علاج للدورة.. والانسحاق في سوق العمل من أجل بضعة دولارات.. أي بمعنى آخر.. تحويل النساء إلى رجال إنما بأعضاء أنثوية.. في محاكاة بائسة ومكررة لتقليد المهزوم للمنتصر..
وللحديث بقية..
 
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !