الرئيسية قصصقصص جميلة قصة قصيرة عن الأمل

قصة قصيرة عن الأمل

بواسطة عبدالرحمن مجدي
968 المشاهدات
قصة وعبرة قصيرة - أنت طير كسيح أم صحيح ؟
الأمل (قصة قصيرة )
 
##
 
بعد سنة على التخرّج من الجامعة تلتقي عيونهما صدفة في محلٍّ للقهوة..
 
– دانة !!!!
– ولااااااء !!!
 
تهرول الشابّتان نحو بعضهما البعض وتبدأ سلسلة من العناق والقبل، محاذرة كل منهما أن تسكب قهوتها أثناء العناق!
 
– ولَك كيفك دانة! اشتقت لك!! قديش الي ما شفتك؟ سنة؟
– ههههه.. وأنا والله.. اه سنة تقريبا! آخر مرة التقينا الصيف الماضي.. بالتخريج..
– يا الله كيف الدنيا.. كأنه إلي عشرين سنة مش شايفتك.. اقعدي اقعدي..
 
تجلس الفتاتان على طاولة فارغة..
 
– طمنيني عنك .. شو أخبارك شو عاملة؟! وك نحفانة!!! شو هااااد؟
– (ابتسامة) اه نحفانة شوي.. كيتو وما كيتو عاد..
– هههه.. وشو صار معك قولي لي؟ وين أراضيك؟ شو عم تعملي؟
– والله يا ولاء صار معي كثير، اشتغلت الحمد لله بشركة في خلدا هون، قريبة من بيتنا.. بشتغلوا بأنظمة التأمين.. الراتب عادي يعني، مش كتير.. بس إنه فيه مستقبل .. وهي إلي معهم ثمان شهور..
– اوه.. ما شاء الله.. مبروك.. طيب وسيمنز؟ مش على أساس كنت راح تشتغلي معهم بعد الجامعة؟
– هلأ مزبوط.. هيك كانت الخطة.. وقدَّمت لهم، وعلى أساس إنه إلي أفضلية.. كوني تدربت عندهم وهيك.. بس مش عارفة.. كتير تأخروا علي، أكتر من شهرين وهم مرة يردوا ومرة ما يردوا.. واستني وما تستني.. فرفطت روحي بالآخر، ما بحب هيك أعيش في احتمالات أنا .. ووقتها كان جاي هاد العرض، فتوكلت على الله.. وقبلت..
– (ترفع ولاء حاجبيها دهشة) جريئة والله..
– مش قصة جرأة ولاء، بس العمر مش بعزقة.. وأنا بطبعي بموت من الانتظار اللي مش أكيد هاد.. فقلت لحالي، إنه لو شركة صغيرة.. بس عالمضمون.. المهم.. انت شو صار معك ؟ مع مين بتشتغلي؟ وين أراضيك؟
– والله دانة أنا لسه ما اشتغلت.. مع إنه إجاني يعني عروض كتير.. وعروض منيحة.. البنك العربي حكوا معي.. كنت مقدمة إلهم.. وقريبتي دبّرت لي شغل بأسكدنيا.. اشي بتخصصي.. بس مش عارفة.. رواتبهم قليلة.. وما اقتنعت..
– ليش ولاء؟ عادي.. الخريجين الجدد كلهم رواتبهم قليلة.. بس مع الخبرة بزيد الراتب..
– صح اللي بتحكيه.. بس وبيني وبينك موعودة بشغل كتير كتير كتير حلو وراتبه عالي .. مع شركة اسمها سبعاوي جروب.. والمفترض هاليومين خلص، يبعتوا لي العقد.. ويمكن مع أول الأسبوع الجاي أبدأ دوام..
– سبعاوي جروب؟ أول مرة بسمع فيهم.. بشو بشتغلوا هدول؟
– (ضحكة خفيفة) هلأ شغلهم بضحك شوي.. هم بتاجروا بالبرسيم والتبن ومنتجات الأعلاف..
– ههههههههه.. لا يا شيخة؟
– هههههه.. اه والله.. بس إنه شو دخلني بشو بشتغلوا؟ أنا في قسم تكنولوجيا المعلومات راح أكون.. مش راح أقعد أقطع تبن يعني..
– هههههه.. أكيد لأ.. يلا الله يوفقك يا ولاء.. بتستاهلي كل خير والله..
 
فجأة يطرق شاب بأصابعه على زجاج المقهى من الخارج.. وينظر نحو دانة بعتاب رقيق رافعا حاجبيه ومشيرا إلى سيارته المتوقفة في الطريق..
 
تنظر دانة نحوه بحب وأسف.. ثم تشبك يديها دلالة على الاعتذار وتميل رأسها بدلع طفولي.. وتشير له بخمسة أصابع دلالة على أنها تحتاج خمس دقائق فقط! فيذهب الشاب نحو سيارته.. بينما تسأل ولاء بفضول..
 
– وك مين المزّ هاد؟؟؟
– هاد علاء خطيبي! بالله ما مزّ ؟
– مزّ مزّ والله! الله يهنّيكم.. متى خطبت؟ ليه ما حدا قال لي؟
– قبل شهرين.. وعملناها عالضيّق لأنه.. معلش..
– طيب وطارق شو صار معه؟ الحب الحب بولوبيف بولوبيف!
– بلا بولوبيف بلا همّ يا شيخة انت كمان.. طارق طلع بلعب.. كان واعدني بالأول إنه بس نتخرج بنخطب.. بعدين غير رأيه، وقال صار بده يروح عالسعودية يقعد سنة ويرجع نخطب.. بس إذا كان أبصر شو بنأجلها شوي.. واستني وروحي وتعالي.. حسيتها مرمرة راح تصير.. وعلاء ابن جيراننا وبنعرفه وبنعرف أهله.. وإجا طلبني من أهلي.. وشاب كامل مكمّل.. قلت ليش لأ! عصفور بالإيد ولا عشرة عالشجرة.. وهينا كتبنا كتاب وبعد شهر العرس! شايفة ما أبسط الأمور؟
– هلأ معك حق دانة.. بس يعني.. مش عارفة! بحسّ إنه صعب الواحد يتأقلم هيك بسرعة مع حدا جديد.. وبعدين انتوا كنتوا بتحبوا بعض كتير.. طب والحبّ؟ بسهولة هيك تركتيه؟ خلص كل شي بنتهي هيك بسرعة؟
– ولاء.. أنا كنت بحبّه فعلا مش كذب.. بس الحبّ مسؤولية.. هو الحب بس ورد وشاورما ونسمع لكاظم الساهر؟ إذا ما في مسؤولية ما في حبّ.. بعدين أنا أعطيته فرصته كاملة لطارق .. ست شهور كاملين بعد التخرّج وأنا أستنى وأرفض.. غير اللي رفضتهم وأنا بدرس.. بس بعدها خلص أنا حرّة.. مش ملتزمة مع حدا.. إنه بحبك.. بس بحب حالي أكتر!!
– أنا والله ما بقدر أعمل زيّك .. ما بقدر.. يعني أنا مصطفى.. بتعرفيه مصطفى؟
– مصطفى.. مصطفى أبو الهوى؟ اه صح صح.. تذكرته.. انتوا لسه سوا!؟
– اه لسه سوا.. وقال لي بكل وضوح.. إنه هلأ ما بقدر أعمل شي . لكن اصبري علي سنة وشوفي.. وهيني صبرت.. والحمد لله الزلمة طلع قد كلامه.. اشتغل مع ابن خاله بتجارة.. بجيبوا بضاعة من الصين وببيعوها هون.. والحمد لله.. هي الشهر الجاي راح يبعت إمه ويخطبني..
– ألف مبروك والله يا ولاء.. تتهنوا.. أنا ما بقول إنه كل الشباب هيك، بس أنا بطبعي خلص.. غير سبحان الله.. يلّا…خليني أمشي أنا عشان علاء هلأ بكون انجن.. وخلّينا على اتصّال اه.. مش تنسيني !! سلاااااام..
 
تودع الصديقتان بعضهما البعض، وتعبر دانة الباب الزجاجي ذاهبة إلى خطيبها وهي تمسك كوبين من القهوة، بينما تتابعها ولاء عبر زجاج المقهى..
 
—-
 
خمسة أعوام بعد اللقاء الأول..
 
تدفع دانة عربة للتسوق في مركز تجاري، وتبدو في شهور حملها الأخيرة.. بينما تتقافز ابنتاها التوأم الصغيرتان حولها.. وبينما تحاول المفاضلة بين عرضين على الحليب تلمح وجها مألوفا بالقرب منها!
 
– ولاء قاقيش!!!!
– دااااانة !!!
– يا محاسن الصدف اللي بتجمعنا دايما..
 
تعانق الصديقتان القديمتان بعضهما البعض بحنان.. وتشهق ولاء..
 
– شو أخبارك ؟؟ شو هاد؟؟ مبروك مبروك مبروك مبروك!!!
– هههه.. الله يبارك فيك.. هادي مساهمتي في زيادة عدد سكان البلد..
– ولد ولا بنت؟
– ولي العهد.. ووارث أموالي وممتلكاتي المنقولة وغير المنقولة..
– تقومي بالسلامة يا رب.. شو أخبارك؟ طمنيني عنّك؟
 
تنضمّ الفتاتان التوأم إلى أمّهما وهما تحملان بعض السكاكر.. فتشهق ولاء.. بينما تنظر الفتاتان نحو صديقة أمّهما باستغراب!
 
– هدول بناتك!؟
– اه ..فنن وغدير.. تعالوا ماما سلموا على خالتو ..
 
تسلم الطفلتان بخجل على ولاء.. بينما تقبّلهما بحبّ.. ثم تكمل الصديقتان الحوار..
 
– يا حبيباتي.. بجننوا..
– تسلمي يا رب..
– وانت ولاء.. شو صار معك انت.. ومصطفى؟ آخر مرة التقينا كنتوا..
– وشغلك كيف؟
 
تتنهد ولاء ثم تبتسم بحيرة وتقول..
 
– مش عارفة شو أقول لك والله يا دانة.. بس لأ.. لسه ما تزوجنا..
– اوووف.. شو صار طيب!؟
– بعد التخرّج اشتغل مع ابن خاله بتجارة وبضاعة من الصين..
– آه بتذكر قلتي لي صح..
– وبآخرها ابن خاله نصب عليه بالفلوس.. ومصطفى كاين يشتغل بدون ورق ولا شي.. عالثقة يعني.. فراحوا الفلوس كلهم.. وطلع مديون للناس كمان..
– ييييييي.. الله يعوّضه خير يا ربي.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. والله العظيم البلد هاي بتخوف صارت، ابن خاله!!!؟؟
– اه والله.. شايفة؟
– غريب.. بس يعني ولاء.. أنا متفهمة وضعه.. بس أنت كمان شو وضعك؟ يعني أنا فاهمة انك بتحبيه.. بس انت بنت.. وأكيد فاهمة يعني شو قصدي..
– فاهمة دانة منيح.. بس مش هيك القصة.. هو حرام قال لي وقتها إنه خلص.. أنا حرّة.. بس ما صدرت هيك أتخلى عنّه.. بس لأنه خسر فلوسه.. إنه أنا كنت راح أكون مرته عالحلوة والمرّة.. فحسيت حالي بكون حقيرة لو فجأة هيك انسحبت وتركته..
 
تصمت دانة..
 
– ورجع وقف على رجليه.. وحاول يبدأ كمان مرة.. بس إنه أخد الموضوع وقت.. ووقتها توفى أبوه.. وصار هو لازم يعلّم أخوه بالجامعة.. يعني ظروف كلها ساءبت مع بعض.. وصرنا كل ما نقدم خطوة لقدام نرجع خطوتين ورا.. ولقينا حالنا النا خمس سنين مش عارفين نعمل شي..
– لا حول ولا قوة إلا بالله..
– طيب شغلك كيف؟ يعني لو منيح بتقدروا تتساعدوا ولا لأ؟
– مهو هاي أزمة حياتي التانية.. متذكرة سبعاوي جروب اللي كنت راح أشتغل معهم؟
– اه صح.. متذكرة.. قلتي لي وقعت معهم عقد أو شي..
– وقعت آه.. بس قبل ما أداوم بشوي، عملوا إعادة هيكلة.. وتغير شؤون الموظفين.. ورجعوا حكوا معي على منصب ثاني ومقابلات من أول وجديد.. وأخد له الموضوع سنة كمان..
– اوف! ليش هيك بتعملي بحالك انت! خلص ما كانوا واضحين من أولها بتركهم.. ولا أضيع عمري وأنا أستناهم يعني؟ يروحوا ينصرفوا..
– والله معك حق يا دانة، هيك كان لازم عملت.. بس بعرفش كيف لقيت حالي ارتبطت فيهم نفسيا.. عارفة كيف؟ وقلت ما دام صبرت كل هلقد.. بصبر لي كمان شوي.. وبآخر السنة التانية وبس خلصت كل المقابلات والامتحانات وقفوا التوظيف قال..
– يييييي..
– اه والله.. وأدخل لك في موجة اكتئاب عنيفة.. انه فوق اللي صاير مع مصطفى، أنا كمان يضير معي هيك.. وبطلت بدّي أشتغل.. خلص.. لا عندهم ولا عند غيرهم.. حتى في ناس كنت مقدمة لهم قبلها بفترة لما حكوا معي ما رحت.. نفسيتي تدمرت..
– الله يسامحك.. فاهمة عليك.. بس الله يسامحك.. طيب وهلأ؟
– لا.. رجعت بعدها أدور على شغل.. بس بيني وبينك عشان الي فترة كنت متخرجة، ما كان يمشي الحال.. أو يعرضوا راتب كثير قليل.. فما أوافق.. وقبل شهرين رجعوا حكوا معي؟
– مين؟
– سبعاوي..
– ههههههه.. طيب؟
– عملت امتحان، وهم بعرفوني أصلا.. فمستنية..
– غريبة قصتك والله غريبة..
– صح؟
– طب اسمعي.. هلأ الله يفرجها عليك من أوسع أبوابه والله يا ولاء.. أنا بتمنى لك كل خير.. بس اسمعي مني وابعتي لي السيرة الذاتية تبعتك.. أنا صرت رئيسة قسم في شركتي.. وبندور على خريجين جداد.. هلأ مش قوي الراتب كثير.. بس بحاول أدعمك.. وبزيد بعدين.. أحسن لك والله من سبعاوي هدول..
– تسلمي يا دانة تسلمي.. ببعت لك إن شاء الله.. إذا ما حكوا شي هاد الأسبوع ببعت لك.. كلك زوق..
– حكوا ولا ما حكوا.. ابعتي.. ما بتخسري شي.
– حاضر..
 
يظهر علاء زوج دانة فجأة وهو يمسك كيسا بيده .. يهزّ رأسه محييا صديقة زوجته.. ثم يقول لزوجته بخفوت..
 
– أنا خلصت خلص .. فتقول زوجته لولاء..
 
– طيب ولاء حبيبتي أنا لازم أروح هلأ.. لأنه معزومين عند بيت حماي.. الله يوفقك بكل شي، وإن شاء الله بتنفرج كل أمورك سوا.. بس لا تنسي تبعتي اللي اتفقنا عليه طيب!! بستنى!! تنسيش!!
 
تهزّ ولاء رأسها موافقة.. تراقب الزوجين وهما يبتعدان مع طفلتيهما.. تتنهد عميقا وتكمل تسوقها..
 
—-
 
أحد عشر عاما بعد اللقاء الأول..
 
تجلس دانة على طاولة في مقهى في مركز تجاري.. مرتدية نظارة طبية وتراجع بعض الملفات على كمبيوتر محمول تضعه أمامها.. وبين الحين والآخر ترشف قليلا من كوب القهوة الموضوع أمامها.. وتنظر نحو طفلها الرضيع النائم بقربها في عربة سوداء..
 
تركض باتجاهها فتاتاتها التوأم وقد أصبحتا صبيتين.. وخلفهما يعدو طفل ممتلئ في السابعة مرتديا قميص نادي برشلونة.. وتقول إحداهما..
 
– ماما .. اشترينا التذاكر، بس طلال ما بده يحضر ليون كينج.. بده فيلم ثاني فيه طخطخة.. وعمّو تبع السينما قال إنه مش للصغار.. ولازم يكون معه حد كبير.. وهاي باقي الفلوس!
 
ينتفض الصبي.. ويردّ بغضب..
 
– أنا مش صغير.. انت ما باعك لأنك بنت.. هاتي الفلوس أنا بشتري!!
 
يشب خلاف بين الفتاتين والفتى تنهيه دانة..
 
– طبعا حبيبي راح تحضره.. هلأ بيجي بابا، وبتروح انت وإياه بتشتروا التذاكر وبتحضروا الفيلم.. شاطر انت.. بس خد لي هالرضاعة روح إغسلها عشان أعمل لمالك حليب، هلأ بصحى..
 
يحمل ابنها الكبير رضاعة الحليب ويذهب لغسلها.. بينما تقف ابنتاها أمام واجهة محل لبيع الكتب.. وبينما تستعد دانة للانغماس مرة أخرى في عملها على المحمول.. تسمع صوتا مألوفا ينادي باسمها..
 
– دانة!
– ولاء قاقيش.. والله زمان…
 
تحضن الصديقتان بعضهما البعض بقوة.. قبل أن تسحب ولاء مقعدا وتجلس عليه.. تلاحظ الطفل الجميل النائم الذي جلست بقربه.. فتشير لدانة إن كان هذا الملاك طفلها فعلا؟ فتهزّ دانة رأسها وتقول..
 
– مالك.. آخر العنقود..
 
تضمّ ولاء شفتيها تأثرا ببراآة الصبي محاولة تقليد شكله..
 
– يا ربّي ما أزكاهم هالخدود يا ربّي.. بدّي آكلهم بس خايفة أصحّيه..
– لا دخيلك.. ما صدّقت وهو ينام..
 
يظهر النادل ملتفتا لدانة وضيفتها.. فتقول دانة وهي توجه نظرها بينهما…
 
– أميركان ولاء؟ (تهزّ ولاء رأسها موافقة)؟أميركان لو سمحت.. وجيب لنا ماي باردة.. كبيرة..
 
يذهب النادل وتعود الصديقتان للقائهما الحميم..
 
– وينك يا بنت انت!؟ أقل غيبة الك بالسنين؟ شو عم تعملي هالأيام؟ ولا أقول لك خليني أحزر لحالي.. (تعيد دانة رأسها للخلف محاولة التذكر).. انت هلأ على وشك تشتغلي مع .. سبعاوي.. صح؟؟
 
تضحك ولاء من قلبها..
 
– ههههههه.. انت لسّه متذكرة ؟ لا.. أخبارك قديمة.. اشتغلت معهم خلص.. حققت حلمي!!
– لولولويييش.. ألف الحمد لله يا رب.. ألف الحمد لله.. متى اشتغلت معهم؟
 
تصمت ولاء قليلا صمت من يعرف أنه سينطق بمصيبة الآن.. ثم تقول بهدوء ما قبل المصيبة ..
 
– بشهر 2
 
تجحظ عينا دانة.. تتراجع قليلا للوراء.. وتضع يدها على صدرها ..
 
– لا لا لا يا ربّي لا.. لا… ههههه ألف مبروك يا ولاء.. لولوليش.. وكيف شايفة هالشغل اللي بعد عشر سنين هاد؟ إن شاء الله مرتاحة؟
 
تنظر ولاء إلى اليمين واليسار.. وصمت ما قبل النطق بالمصيبة ثم تقول بلهجة ساخرة، بينما تشرب دانة بعض الماء..
 
– لا ما أنا تركت..
 
هنا تنفجر دانة بالضحك لدرجة أن الماء يخرج من فمها على الطاولة.. وتسأل وهي تحاول أن تتمالك ضحكتها..
 
– لييييش؟
 
تشاركها ولاء الضحك، وإن كان ضحكها بدأ أنه يميل للسخرية المرّة من نفسها..
 
– داومت أسبوعين.. بعدين سكّرت الشركة.. وهرب سبعاوي..
 
تبدأ دانة بملاحظة عدم ملاءة الضحك الآن.. لا تزال مبتسمة بالرغم من ذلك..
 
– ليش طيب؟
– طلع تاجر حشيش.. والتبن مجرد غطاء.. ولما خلص انكشف، هرب.. داومت أسبوعين عنده وشهر في المخفر.. وهم يحققوا معنا الموظفين.. وحتى الأسبوعين ما قبضتهم..
– يا ربي عفوك..
– اه والله،، حتى حاولت آخد حقي برسيم وتبن ما زبط.. الحكومة صادرت كل شي.
– هههه.. طيب وهلأ شو عاملة؟
– هلأ خلص.. تعبت من الوظيفة.. بدّي أتقاعد وافتح مشروع ..
 
تعود دانة للضحك..
 
– آه حقك ولو.. وشو مشروعك؟
– بدنا نفتح مطعم صغير أنا ومصطفى.. عم نعمل دراسة جدوى..
– اوه.. مصطفى؟ اه اوك.. حلو.. فاميلي بزنس يعني..
 
ترفع ولاء حاجبيها وتقول بمرارة تخالطها نصف ابتسامة..
 
– خاطبين بزنس فيك تقولي.. حاكيين في بعض بزنس.. موعودين بزنس..
 
تصمت دانة قليلا محاولة استيعاب ما قالته صديقتها للتوّ.. تبدو على وشك قول شيء ما، لكنها تكتمه.. تتنهد بعمق.. ثم تقول بصوت هادئ..
 
– الحكي كله ما منه فايدة هلأ.. وما بحب أحط سكّر عالموت.. بس يعني السؤال اللي بطرح نفسه فعلا ولاء، حتى لو ما حدا طرحه.. إنه ليش؟ ليش؟
 
تكتسي معالم وجه ولاء بنظرات تائهة ..
 
– ليش؟ ليش استنيته كل هلقد قصدك؟ ما بعرف.. والله ما بعرف.. بس اللي بعرفه يا دانة.. إني ما صبرت 11 و 12 سنة زي ما إمي بتقول والنَّاس بقولوا.. أنا صبرت شهر وشهرين وثلاث وأربعة.. الصبر العادي الطبيعي اللي كل الناس بتقدر عليه وبتتفهمه وبتتقبله.. بس صبرتهم مقطعين.. وتواصلوا.. فهمت علي كيف؟
 
يعني لو مصطفى قال لي من الأول اصبري علي سنتين كنت راح أصبر؟ يمكن لأ.. ويمكن آه لأني بحبّه.. بالنهاية أنا يمكن صبرت أكتر من هيك.. بس لأنه كان في شي سحري هيك بخليك تكمّلي.. اسمه الأمل..
 
بتعرفي؟ لما بفكّر بالموضوع.. أيّام ما كنت أفكّر.. لأني هلأ بطلت أفكّر.. لو فكّرت بنجنّ.. أيام ما كنت أفكّر اكتشفت إنه الأمل هاد سبب مأساتي بالحياة.. مأساتي الحقيقية في كل شي، مش بس مع مصطفى.. أنا ضعيفة قدّام الأمل.. عمري ما قدرت أقتله وأمشي.. شوفي اسمه حتى.. أمل.. بتحسّيه كائن حي صغير أخضر بوعدك بالسعادة .. كيف فيك تقتلي هيك شي؟.. يمكن لو كنت أسمّيه احتمال زي ما انت كنت تسمّيه.. كنت قتلته وهربت زمان.. سهل الواحد يقتل الاحتمال.. بتشطبه بقلم أحمر وخلص.. بس الأمل لأ.. والله ما بتقدري تقتليه.. والله..
 
تستمع دانة بصمت مطبق وكأنه ليس هنالك سواهما في العالم..
 
– بعدين بتكتشفي إنه في شي لسه حتى أخطر حتى من الأمل.. وهو إنه حتى الأمل اللي كنت مصدّقتيه وتحميه وتدافع عنه.. مش حقيقي.. جزء كبير منه من صناعتك انت.. انت خلقتيه وزيفتيه عشان تبرري لحالك اللي بتعمليه.. بينما بالحقيقة هو كان ضعيف كثير.. أو حتى مش موجود.. بس انت خلقتيه وعبدتيه.. .عارفة متى فهمت هالشي؟
– متى؟
– من كم سنة، لما بطّل عند مصطفى أي أمل يعطيني إياه.. فصرت أنا أخلق له الأمل وأعطيه إياه.. أحكي له إياه وبعد يومين أو ثلاثة يصير يعيده على مسامعي .. وأنا عارفة وموقنة تماما إنه مش حقيقي.. بس بصدقه وبقعد أستنى فيه..
 
تتنهد دانة بعمق.. يستيقظ الطفل الرضيع ، وينظر حوله في صمت بحثا عن أمّه.. فتنظر ولاء نحوه وتكمل كلامها وقد بدأ صوتها يتهدج..
 
– بس للأمانة.. مصطفى فاهم هالشي.. عارف إني صرت أعطيه الكذبة يكذبها علي.. فمرات بريحني منها وإن كان بدون قصد.. الملعون عيلته كبيرة وكل شهرين ثلاث بموت له حدا فيهم.. مش مهم قديش بقرب له.. المهم إنه مات..والموت طبعا بأجل الزواج انت عارفة.. ومع إنه عذر حزين إلا إني بحبّه.. وبحب يعطيني إياه مصطفى.. لأنه عذر حقيقي.. ما فيك تكذّبه.. الناس بموتوا صح؟ بموتوا وبتخلص أعمارهم؟ تقرب رأسها من الطفل والدموع تنسكب من عينيها بغزارة ..
 
– صح بتخلص أعمارهم حبيبي؟ صح؟
 
تبدأ الدموع بالتساقط على وجنتي الطفل الذي يجد نفسه محاصرا من هذا الوجه الغريب الباكي.. فيبدأ هو الآخر بالبكاء..
 
ديك الجن
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !