الرئيسية » خواطر » كلمات رائعة » كلام واقعي عن الحياة

كلام واقعي عن الحياة

بواسطة عبدالرحمن مجدي
1387 المشاهدات
كلام من ذهب عن الحياة
تضعين كل قطعة مني في مكانها.. تعطين أسئلتي المؤلمة إجاباتها المطمئنة والأبدية.. تطفئين القلق وتشعلين الرغبة.. تجعلين النهار أكثر مرحا واخضرارا .. والليل أخف وطأة وحزنا.. وبِيَدٍ تزرعين في المستقبل أملا.. وبالأخرى تنزعين من الماضي أشواكه.. تعطيني ابتسامة أنام عليها.. وسببا لكي أستيقظ في الصباح..
 
تمنحين المعنى للحياة وللأشياء.. ولا أعلم ما يمكن لإنسان أن يمنحه لإنسان، ويكون أعظم من ذلك..
– – – – – – – – – – – –
من الأفعال الغريبة في اللغة العربية فعل “مَلَكَ”.. وملك الشيء أي تثبت منه وصار قادرًا على التصرف فيه..‬
 
‫وجه الغرابة هنا، هو أن الفعل ليس حقيقيا أبدا.. شروط حدوثه مستحيلة.. لأنك لا تملك فعليا التثبت من شيء، وقد تخسر قدرتك على التصرف فيه في أي لحظة.. بما في ذلك جسدك! وبما أن فكرة التثبت من الشيء والقدرة على التصرف فيه غير متحققة.. فالموضوع فعليا ليس أكثر من وهم ومجاز لغوي.. أما الحقيقة فهي أنه لا أنت، ولا أقوى ملوك الأرض تمتلكون شيئا في الحقيقة.. لا بيوت ولا سيارات ولا نقود ولا أبناء، ولا ولا .. ولا حتى مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.. ‬
 
‫إنَّما العيش تحت ظل هذا المجاز ضروري للسعي وراء الأشياء.. وإدراكه في حال فقدانها أكثر ضرورة..
– – – – – – – – – – – –
أتمنى أن يقتنع جزء ما في داخلي، أنه لا يمكنني العودة إلى الماضي.. ولا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.. وأن يكفّ عن رسم سيناريوهات لم تحدث ولَم يعد بإمكانها أن تحدث.. حتى وإن كانت تسعده.. لأنها تدميني عندما تنتهي إلى لا شيء..
 
أتمنى أن يوقن ذلك الجزء الموغل في قلبي، أن الزمن يسير باتجاه واحد.. وأنه لا شيء أصعب على الإنسان من أن يحلم بماض لن يعود.. وأن يفعل ذلك في كل ليلة..
– – – – – – – – – – – –
‏أصعب طريقة تنتهي بها العلاقات البشرية تحدث عندما يجف نهر الكلمات بين الطرفين.. والجفاف هنا ليس تعبيرا أدبيا بقدر ما هو تصوير حقيقي لما يحدث ..
 
‏تبدأ الجمل تصبح أقصر وأثقل.. لتتحول إلى عبارات بسيطة.. ثم كلمات متقطعة تخرج بصعوبة وتموت قبل أن تقال.. ثم صمت يخيم على كل شيء..
– – – – – – – – – – – –
‫المسافة بين فجوري وتقواي طويلة جدا وممتدة، بشكل يجعلني أتعجب كيف يسع الإنسان أن يمتد طرفاه ويتباعدا بهذا الشكل.. ‬
 
‫لكن الأعجب فعلا هو سرعة انتقالي بين هذين الحدّين.. لحظات معدودة فقط، كافية للانتقال من حال إلى حال.. وكأنّما أنزع قناعا لأضع آخر.. ‬
 
‫وفِي حين يتشكك الإنسان في أن أيا من هذه الأقنعة تمثله.. إلا أنها في الحقيقة كلها تمثله.. هي أوجهه المتعددة.. وما هو إلا مجموع تلك الأوجه.. ‬
– – – – – – – – – – – –
‫أدرك تماما ما يفعله الزمن بالناس.. أعي أن اختلاف الليل والنهار يجعل الشعر الأسود يشيب ويسقط.. وأنّ توالي الفصول يجعل العظام القاسية تلين.. والعضلات القوية ترتخي.. وأنني قد أحمل معي يوما نظارة وسماعة وعكازا وربّما مريلة.. وحتى الذهن المتّقد الحادّ، أتفهّم أنه قد يصدأ بمرور السنين.. بحيث تصبح قدرة الإنسان على تذكر أمر ما أو تحليل فكرة ما، أمرا في غاية الصعوبة ومدعاة لشفقة أو سخرية من حوله.. ‬
 
‫أدرك كل ذلك وأتقبّله.. ولدي تصالح عميق مع فكرة أن الإنسان الذي يزيد في مرحلة ما، ينقص في مرحلة أخرى .. لكن مع كل ذلك، تبقى لدي أمنية واحدة.. وهي أن تنتهي قدرتي على إضحاك نفسي في ذات اليوم الذي تنتهي حياتي فيه.. سيكون من المؤلم فعلا أن أعيش في عالم لا يمكنني أن أسخر منه.. وأن أضحك من كل قلبي على ذلك.. ‬
– – – – – – – – – – – –
أعتقد أن على الإنسان في كل عام أو عامين أو خمسة أعوام حتى، أن يوقف حياته لعدة أيّام.. أن يقفز من قطار الزمن المندفع كحصان مجنون .. ويسقط بعيدا عنه.. أن يراقب القطار وهو يتحرّك من دونه.. بدون أن يثير فيه هذا الأمر أي نوع من الندم أو الهشاشة أو الإحساس بفوات الأشياء.. على الإنسان أن يصمّ أذنيه عن صريخ عقارب الساعات.. واستعباد المنبّهات.. أن يتحرر من قبضة الوقت.. وأن يدعه يمرّ دون قلق..
 
أعتقد أن على الإنسان أن يجلس على هامش الحياة بهدوء وسكينة ولو لساعة واحدة فقط.. وبعيدا عن أي حسابات آنيّة.. ليسأل نفسه بصدق.. إلى أين هو ذاهب فعلا؟؟
– – – – – – – – – – – –
من الأشياء التي أتمنى بصدق لو كنت قد تعلّمتها صغيرا، هي أن عبارة “الراحة تأتي بعد التعب” عبارة خاطئة جملة وتفصيلا..
 
ظاهر العبارة تحفيزي.. لكنها تزرع في لا وعي الإنسان تصورا مفاده أن العمل ما هو إلا تعب.. ما هو إلا شيء كريه وممل وبغيض.. ويفضّل ألّا نقوم به.. لكنه ضروري للوصول إلى الجائزة أو الحالة الطبيعية للإنسان وهي الراحة والدعة والكسل..
 
تصوير العمل على أنه تعب، هو ما جعلنا نكره الذهاب إلى المدرسة.. نُمقت حل الواجبات والدراسة للامتحانات.. هو ما جعلنا نرى أن هدفنا الرئيسي من المدرسة ليس اكتساب المعرفة، بل اجتياز الامتحانات طمعا في الحصول على عطلة صيفية كسولة طال انتظارها..
 
هذا التصور هو الذي جعلنا نكره وظائفنا كبالغين.. نتأفف لدى الاستيقاظ من النوم.. نلعن الرأسمالية في الطريق إلى العمل.. ونمضي النهار على مكاتبنا ونحن ننظر إلى الساعة.. غافلين تماما عن القيمة التي نؤديها.. عن العمل الذي ننجزه بل وحتى احتمالات أن نتطور ونرتقي.. لنعود في آخر النهار ونحن نسأل الله أن يقبض إليه رئيسا ما، أو يرسل عاصفة ثلجية شديدة تمنحنا عطلة غير متوقعة..
 
تصوّر أن التعب ما هو إلا جسر للراحة بتعبير أبي تمّام، هو ما جعلنا نرى كل ما نقوم به في يومنا على أنه تعب.. وأن حياتنا لا تبدأ إلا بعد أن ننتهي منه كما قال كارل ماركس.. هو ما جعلنا نقدّس كل وسيلة تجعلنا نعبر هذا الجسر البغيض بأسرع ما يمكن.. سواء كانت تلك الوسيلة هي ميراث مفاجئ، تذكرة يانصيب رابحة، جائزة رمضانية.. أو حتى السطو الحلال على بنك.. أي شيء، المهم أنّه يقربنا إلى هدفنا الأساسي.. الراحة.. التقاعد الثري المريح الذي أصبحنا نحلم فيه ونحن لا نزال في العشرين من العمر..
 
لو عادت بي الدنيا، سأقول للطفل الذي كنته أن الراحة الحقيقية على الصعيدين الجسدي والنفسي لا تأتي بعد التعب، إنما تكمن فيه.. تكمن في العمل والبذل والحركة.. في تغيير وصناعة الأشياء ومنح القيمة والمعنى لما حولنا.. أما التعب الحقيقي فهو عندما يسترخي الإنسان على أريكته، ولا يجد شيئا ليفعله..
– – – – – – – – – – – –
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !