الرئيسية معلومات عامة مفيدة مقالات في الحياة الاجتماعية

مقالات في الحياة الاجتماعية

بواسطة عبدالرحمن مجدي
598 المشاهدات
ما هي رسالتك في الحياة
الشخص الحاصل على 90% في الامتحان لا يعتبر راسبا فيه.. قاعدة بديهية جدا في النظام التعليمي.. لكن في النظام الاجتماعي والعلاقات بين الناس.. تبدو هذه القاعدة مهملة ومنسية وعديمة القيمة على الإطلاق..
 
وبرغم كل وصايا وقصص التسامح التي نحشو بها هواتف بعضنا البعض ليل نهار.. إلا أننا في الحقيقة أبعد ما نكون عن وصف التسامح.. ويكفينا من كل إنسان موقف واحد فقط لنضعه في خانة نمطية لا يخرج منها.. رفع صوته على والدته.. هذا عاق.. خلعت حجابها.. عاهرة.. اختلفت مع زوجها أمام الناس.. لا تصلح كزوجة.. غير وجهة نظره بعد لقاء مع أمه.. هذا ليس رجلا بل دلدولا.. سقط ابنها عن الأرجوحة.. لا تصلح لأن تكون أما.. اضطر للغياب عن اجتماع مهم.. هذا موظف مهمل.. وهكذا دواليك.. نستمر بهذه التقييمات المجحفة بحق الناس ليلا ونهارا.. ونكررها حتى تبدو كحقائق لا يمكن الطعن فيها…. في حين أنه كان من الممكن بكل بساطة أن ننظر لكل شيء رأيناه أنه أمر عارض لا يشكل شخصية الإنسان.. وأنه من المقبول جدا لإنسان يأخذ أكثر من خمسين قرارا يوميا أن يخطئ في واحد أو اثنين.. والتسامح مع ما فعله وعدم إخراجه من سياقه هو أفضل بكثير من حكمنا السهل عليه وجلده بسياط أخلاقي نحن أنفسنا لا نطيقه..
 
الشخص الحاصل على 90% في الامتحان لا يعتبر راسبا فيه.. احمل هذه الجملة في قلبك وعلى طرف لسانك.. واستعد لقولها دائما حين تلحظ حكما جائرا على شخص ما.. أنت لا تعرف تأثيرها فعلا.. قد تنقذ زواجا ناشئا تحيط به الكثير من العواصف.. قد تحمي طفلا يحاول بناء شخصيته.. قد تجمع شمل عائلة.. قد تحمي موظفا في أمس الحاجة للعمل من فصل تعسفي.. قد تعطي أحدهم فرصة أخرى تغير مسار حياته..
 
وبين الحين والآخر.. قف أمام المرآة وقل هذه الجملة لنفسك.. علّك تتمكن من قتل الشعور الدائم بالذنب.. ذلك الوحش الذي يأكل روحك..
– – – – – – – – – – – – – – –
بدأ هذا الأمر الغريب قبل عدة سنوات.. أو لنقل أنني فهمته حينها.. كانت ليلة صيفية هادئة.. وكنت أقف بسيارتي في الصف الأول على إحدى الإشارات الضوئية منتظرا الضوء الأخضر.. أضاءت الإشارة أخيرا ، ولا أعلم بالتحديد ما الذي خطر في بال ذلك العامل الآسيوي البائس، لكنه وفِي اللحظة التي اندفعت فيها السيارات بقوة قرر عبور الشارع..
 
ضغطت بسرعة على الفرامل وتمكنت بأعجوبة من تفادي الاصطدام به، لكن السيارة التي على يساري لم يحالفها الحظ نفسه.. ارتطمت به بقوة شديدة لدرجة أنني سمعت قرقعة عظامه وهي تتكسّر.. وسقط جسده النحيل على الأسفلت وهو ينزف..
 
لاحقا تلك الليلة، استعدت المشهد الأليم في ذاكرتي مرات ومرات.. ثم انتبهت لشيء غريب، وهو أنني وفِي اللحظة التي اصطدمت بها السيارة بجسد العامل وسمعت صوت عظامه، انتابني ألم شديد في ضلوعي.. وكأن السيارة قد صدمتني أنا.. وبدأت أفكّر، كيف انتقل ذلك الألم إلي؟ كيف أحسست به؟ أي أنني أفهم الحزن والصدمة والمشاعر الناتجة عن رؤية مشهد كهذا، لكنها تبقى مشاعر في النهاية.. بينما الألم الذي نخز صدري كان ألما حقيقيا وملموسا.. فكيف انتقل ذلك الألم إلى جسدي المعافى؟
 
وهنا فقط أدركت أننا كبشر.. متّصلون ببعضنا البعض عبر شبكات فيزيائية.. بشكل قد لا نراه ولا نفهمه.. لكنه موجود ومحسوس وقائم.. وهذه الشبكات التي ربّما تكون أمواجا من نوع ما، تنقل دواخل البشر بالاتجاهين.. وأن ما نسميه التعاطف أو المشاركة الوجدانية ليس سوى نتاج عمل تلك الشبكات المعقدة التي تربطنا جميعا كوحدة واحدة..
 
هكذا استطعت أن أفهم لماذا أحس بإهانة وغضب شديدين عندما أشاهد فيديو لشخص يتعرض للإهانة.. وكأنني أنا الذي تعرّضت لهذا الموقف.. وهكذا فهمت لماذا دمعت عيناي وأنا أشاهد فيديو تلك الطفلة التي تخبر والدها المسافر أن “الشغل” الذي سيأخذه منها هو شيء سيّء.. وهذا هو ربّما ما ألمح له ستيڤن كينچ في روايته الرائعة “الميل الأخضر”..
 
نحن وحدة واحدة.. أؤمن بذلك.. وما الكلمات والصور والأصوات إلا وحدات تخزين.. نسكب فيها جزءا من أرواحنا بشكل فيزيائي سحري لكن حقيقي.. وتبقى كامنة هناك، حتى يمسّها إنسان آخر.. فينتقل كل ما فيها إلى قلبه..
– – – – – – – – – – – – – – –
الشرف يا هريدي..
 
واحدة من المشاهد التي تكررت كثيرا في السينما المصرية.. خصوصا سينما السبعينيات والثمانينيات كان مشهد أن تعود زوجة إلى بيتها في وقت غير متوقع.. لتفاجأ بزوجها مع امرأة أخرى في السرير.. لتدخل في نوبة غضب جنونية.. وبينما تحاول الهجوم على السيدة المعتدية.. يقوم الزوج بسرعة بلملمة ملابسه وتخليص عشيقته من بين يدي زوجته التي تبدأ بضربه قبل أن تنهار تماما وتبدأ في وصلة طويلة من البكاء..
 
هذا هو ما يعرف بالعرض أو الشرف.. وهذا هو تصرف الإنسان الطبيعي عندما ينتهك عرضه أمامه.. خصوصا بمساعدة شريك حياته الذي ائتمنه على هذا العرض.. وإن كانت الممثلة في هذا المشهد لم تستطع قتل عشيقة زوجها وزوجها فهذا يعود لسببين.. الأول هو ضعف بنيتها الجسمانية.. والثاني هو طغيان شعور الانكسار والاستبدال المذلّ على شعور الغضب.. لكن في حال كان الوضع معكوسا.. ووجد الرجل رجلا آخر في سريره.. فإن شعوره بالانتهاك والغضب يطغى على كل شيء آخر.. وبالطبع ستساعده قوته الجسمانية على قتلهما معها أو قتل واحد منهما على الأقل في نوبة الغضب الهائلة التي تعتريه..
 
هذا الشيء فهمه الناس منذ قديم الزمن.. واعتبروا الغضب الناتج الذي ينتاب الإنسان عند لحظة انتهاك عرضه مبررا كافيا ومقبولا للقتل ويعفي صاحبه من العقوبة.. ذكرا كان أم أنثى.. وإن كانت الإناث لا يمارسن القتل للأسباب التي سبق ذكرها.. واعتبروا هذا القتل قتلا غير متعمد.. أي لم يسبق التخطيط له ولا قصده.. إنما حدث في سورة غضب.. وساووه بالقتل دفاعا عن النفس أو السرقة أو غيرها من الأسباب التي تدفع الإنسان لأقصى حالات غضبه دفاعا عما يملك.. وهذا شيء مثبت وموجود تاريخيا في محاكمات اليونانيين والانجليز والفرنسيين وغيرهم.. وكتاب “المحاكمات الكبرى في التاريخ القديم والحديث” مرجع جيد في هذا الأمر..
 
لكن هذا شيء.. وأن يخطط الإنسان لقتل زوجته أو ابنته أو أخته بداعي أنه اكتشف ممارسة جنسية لها هو شيء آخر.. لأن القتل في الحالة الثانية لا يحدث في سورة غضب.. وليس ابن ساعته.. ولا يكون دفاعا عن العرض كما في الحالة الأولى.. بل قتل متعمد.. مخطط له بهدوء.. والهدف منه هو القيام بشيء يوازن الضغط الاجتماعي أو الداخلي الناتج عن تداعيات ما فعلته الفتاة.. بمعنى أن القتل هذا هو استحداث إجابة ذكورية لسؤال.. ماذا فعلت عندما فعلت فلانة كذا وكذا؟ والجواب قتلتها وغسلت عاري.. أي أن القاتل عندما خيّر في داخله بين أن يواجه الضغوطات الداخلية والقبلية والاجتماعية معتبرا ما قامت به الفتاة زلّة قد يزلّها أي إنسان.. وبين أن ينال رضا كاذبا على حساب روح الفتاة.. اختار أن يزهق روح الفتاة..
 
الموضوع صعب.. ونحن كمجتمع يشارك في التعييب والتعيير والوصم الاجتماعي الذي ينال أهل الفتاة قد نكون شركاء في هكذا جرائم.. لكن وبأي حال من الأحوال.. فهذه ليست جريمة شرف.. هذه جريمة قتل.. بغض النظر عن أي تبرير آخر..
– – – – – – – – – – – – – – –
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !