الرئيسية الذاتتطوير الذات هذه هي الحياة وهذا هو حالنا معاها

هذه هي الحياة وهذا هو حالنا معاها

بواسطة عبدالرحمن مجدي
439 المشاهدات
ما هي رسالتك في الحياة
الموت بحثا عن معنى..
 
###
 
عائدا من عملك مساء إثر يوم طويل مرهق.. تلمح إلى اليمين منك، ملعبا بسيطا لكرة القدم.. ساحة ترابية لا يضيئها سوى نور خافت آت من الشارع، ومرمى من عوارض خشبية باهتة تحيط بِه شبكة متهالكة .. لدهشتك تجد أن على مكان نقطة الجزاء، تستقر كرة قدم بيضاء .. ومع أنك ترتدي بذلة رسمية وحذاءً مزعجا إلا أن المشهد يغريك.. تخطو داخل الملعب، تقف بقرب الكرة مواجها المرمى الفارغ، تتراجع للخلف منحنيا قليلا، كما يفعل اللاعبون الكبار، ثم تندفع وتسدد بكل قوتك، فتستقر الكرة في أعلى الزاوية اليسرى للشبكة .. تدور قليلا حول نفسها على الأرض قبل أن تسكن تماما، معلنة عن هدف لم يشاهده أحد.. يرتسم على شفتيك شبح ابتسامة فخورة .. وتهم بمغادرة الملعب غير أنك تسمع تصفيقا ما.. رجل عجوز على مقعد خشبي أخفاه ظلام الليل في جانب الملعب.. تبتسم للعجوز الذي يقول بثقة.. “حاول مرة أخرى”..
 
يضاء الملعب وتتحول أرضيته إلى عشب أخضر ندي لامع.. تتبدل العوارض الخشبية المهترئة بأخرى مطلية بأبيض براق، وأمام الشبكة الجديدة المشدودة يقف حارس مرمى مرتديا بذلته الرياضية كاملة ومتأهبا كأسد .. على نقطة الجزاء تستقر كرة قدم بيضاء لامعة تغطيها خطوط ملونة.. تتراجع خطوتين للوراء وعيناك تضيقان.. وبتركيز كبير تضرب الكرة بحذائك الرياضي الفخم.. يقفز الحارس في اتجاه الكرة، لكنها تسبقه.. وتستقر في مكانها السابق، أعلى الزاوية اليسرى للشبكة!! تساعدك ملابسك الحمراء الرياضية هذه المرة على القفز فرحا وتلكم الهواء بقبضة يدك! يصفق العجوز مرة أخرى ويكرر.. “الآن.. حاول مرة أخرى”
 
يتضخم الملعب كثيرا.. وتمتلئ مدرجاته بعشرات آلاف الناس.. وعشرات آلاف الأعلام.. وتنير كشافات عملاقة جوانبه الأربع فيبدو أن النهار قد طلع.. تلمح مقصورة ملكية، يجلس فيها عدة رؤساء.. وأمامهم كأس عالم ذهبي لامع.. على شاشة ضخمة تظهر معطيات المباراة، نهائي كأس العالم، بين بلدك وبلد آخر.. النتيجة هي التعادل أربعة لأربعة، وأنت ستسدد ركلة الجزاء الأخيرة!
 
تثبت الكرة في مكانها بيدين مرتعشتين.. وبينما تتراجع إلى الخلف تحضيرا للتسديد، تخفت أصوات الجماهير وتنحبس أنفاسهم وأنفاسك.. تتلمظ شفتاك بحثا عن الريق الذي هرب.. تلقي نظرة أخيرة خلفك لتجد لاعبي منتخبك الوطني جاثين متضرعين على ركبهم.. وبينما تحيط بك آلاف الكاميرات التي تلمع كنجوم.. تحسّ بثقل العالم كله على رأسك.. تغمض عينيك قليلا ثم تندفع باتجاه الكرة وتسددها بقوة واضعا روحك كلها في قدمك.. وبعد أجزاء من الثانية تبدو كدهر، تستقر الكرة في أعلى الزاوية اليسرى للشبكة.. فيجنّ جنون العالم.. وجنونك معه!
 
في الحالات الثلاث، كان الفعل الفيزيائي نفسه.. لكن الشعور في داخل صدرك، تغير بتغيّر التأثير الذي أحدثه الفعل الذي قمت به، وهذا ما يعرف اختصارا بالمعنى.. والمعنى شيء حصري للإنسان، لا تملكه المخلوقات الأخرى.. إنّما نشترك مع الحيوانات في شعور آخر مشابه، ألا وهو شهوة الاحتياجات الأساسية والرضا بعد إشباعها.. شهوة الطعام والجنس والدفء، الخ.. فما الفرق بين الشهوة والمعنى؟ وأيّهما أهم؟
 
الفرق الأول هو أنّ الشهوة عمل ذو طابع فردي، أي أنّه لا يهدف إلى إشباع الآخرين.. بل إشباع ذاتك أنت فقط.. بينما المعنى، يمتد إلى خارج ذاتك.. الفرق الثاني والأهمّ، هو أن الشهوة لها حد معين للإشباع لا يمكن تجاوزه.. أي أنك تتحرك في مجال الشهوة بشكل أفقي.. قد تأكل اليوم ضلع خروف مشوي.. غدا سمك مقلي.. بعد أسبوع شرائح عجل متبلة ومطبوخة.. ثم ماذا؟ لا شيء أكثر.. مستوى الرضا نفسه، وإن تعددت مسبباته.. وما يحدث في الطعام يحدث في الجنس أيضا.. امرأة شقراء اليوم.. سمراء غدا.. قصيرة.. طويلة.. شابة.. ناضجة.. عجوز.. شعر أسود، أحمر .. أصفر.. بدّل كما شئت.. مستوى الإشباع نفسه.. لا يمكنك تجاوزه.. إنما يمكنك فقط التنويع والحركة بشكل أفقي.. المعنى على الجهة المقابلة يتحرك بشكل عمودي كما شاهدت في مثال كرة القدم.. في كل مرة مردود الفعل يكبر، يرتفع مستوى الرضا..
 
في بيانه، الذي عنونه “الاستبدال العظيم” قال منفذ هجوم نيوزلندا الإرهابي أن أهم أسباب انحطاط أوروبا هي أنه هناك ثلاث فلسفات مسمومة سادتها.. العدمية.. (غياب الغاية من الحياة).. الفردانية (الاهتمام بالذات فقط) .. والشهوانية (التركيز على إشباع الشهوات).. لو ركزت قليلا في هذه الفلسفات، ستجد أنها جميعا تحث الإنسان على عبادة شهواته للحصول على السعادة.. لكن لأن الرضا الذي تمنحه الشهوات (بعكس المعنى) يتحرك بشكل أفقي فقط.. فقد خسر الإنسان الأوروبي معنى حياته.. وأصبح يتنقل حائرا من شهوة إلى أخرى في بحث محموم ويائس عن السعادة.. لكنه لم يجدها.. والسبب الأساسي لذلك هو غياب المعنى.. ولذلك تصدم أنت عندما تجد شخصا مشهورا يملك كل شيء تقريبا يقوم فجأة بالانتحار.. يبدو لك من بعيد، أن لا سبب يدفع ذلك الشخص للانتحار.. لكن الحقيقة أن ليس هنالك شيء يدفعه للحياة.. مجرد أيام تتوالى بلا معنى ، وشهوات أشبعت حتى لم تعد تعني شيئا.. فلماذا فعلت أوروبا ذلك؟ لماذا اختارت قتل المعنى؟
 
فعل الأوروبيون ذلك ببساطة.. لأنهم هدموا أهم مؤسستين يمكن لهما منح الإنسان المعنى.. الدين والأسرة.. لكن لماذا فعلوا ذلك؟ فعلوا ذلك لأن المعنى بقدر ما يمكن له أن يحمل من السعادة، يمكن له أن يحمل الألم.. أطفالك سيمنحونك سعادة لا مثيل لها.. لكن في حال موت أحدهم.. فإن كل الدنيا لن تستطيع مواساتك.. فهم العَدَميّون هذا الأمر تماما.. وليبتعدوا عن احتمال الحزن هذا.. قاموا بإلغاء المعنى تماما.. بحزنه وفرحه.. واستبدلوه بالشهوة التي لا يمكن لغيابها أن يمنحك الحزن، إنما مجرد حرمان فقط.. ما يلبث أن يزول بعد الإشباع..
 
مؤخرا، بدأت هذه النظريات السامة تنتشر بكثرة في مجتمعاتنا.. ويدل على ذلك جمل مثل “لا تتزوج، سافر” “الشاورما أفضل من الحب”.. “القطط أفضل من الأطفال” هذه الجمل تحاول بغير وعي نزع فكرة المعنى من حياة الإنسان عبر التحجج بالألم الذي قد تحمله، واستبدال ذلك بشهواته وإشباع شهواته.. ويضاف لهذا المزيج طبعا رضوى الشربيني ورفيقاتها اللواتي يؤكدن دوما أن الخيار الأول عندما يتعرض الإنسان لألم ما في علاقة، هو تركها والعيش منفردا..
 
قد يبدو من الرائع فعلا أن يعيش الإنسان من أجل لذاته فقط.. متنقلا من بلد لآخر ومن مطعم لمطعم ومن امرأة إلى أخرى، دون الدخول في أي علاقة شائكة ومعقدة قد تحمل الحزن والهمّ والمسؤولية.. لكن عليه أيضا أن يتذكر أن هذه العلاقات المعقدة والكثيفة – مع ما تحمله من قلق وألم ومسؤوليات تضني نهارا وتقلق ليلا- هي المصدر الوحيد الذي قد يمنح المعنى لحياته..
 
ربّما على الإنسان أن يدرك أن المعنى الحقيقي لحياته يكمن خارج حيّز جسده.. ولا يمكن لهذا المعنى أن يتحقق دون الاشتباك مع حيوات الآخرين.. وإنه إن لم يخاطر بتحمّل الألم الناتج عن هذا الاشتباك، فمن الممكن جدا أن ينتهي به العمر في ملعب ترابي لكرة القدم، يسدد الكرة في المرمى الخالي.. فيحرز هدفا لا يحتفل به أحد..
 
.
.
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !