ما هو الايمان الحقيقي

0
106
مفهوم الايمان وأثره في حياة الانسان
الخالدون
 
الإيمان بالله ينقسم إلى جزأين أساسيين.. الأول هو الإيمان المعرفي.. والذي يختص بالإجابة على أسئلة من قبيل .. من خلق الكون؟ من هو الله؟ ما بعد الموت؟ الجنة .. النار .. الحساب.. أي ببساطة.. هو ما نعلمه لأطفالنا في المدارس.. وهذا النوع من الإيمان نادرا جدا ما يستحضر من وعينا.. يبقى مدفونا وكامنا في دواخلنا كمسلمات.. اللهم إلا إذا صادفنا رجلا يقول أن الكون نشأ من ذيل سحلية أو رجل ضفدع..
 
الجزء الثاني من الإيمان.. هو ما أسميه أنا الإيمان الوجودي أو الفلسفي.. سمّه ما شئت.. لكنه يختص بالإجابة على أسئلة أعمق قليلا.. مثل.. لماذا تحدث الأشياء الجيدة للناس السيئين وتحدث الأشياء السيئة للناس الجيدين؟ لماذا لا يساعد الله أولياءه؟ لماذا لا يتدخل أمام كل تلك الحروب والمآسي وقتل الأطفال وخلافه؟ ما الحكمة هنا؟ ما الحكمة هناك؟ وتبقى الأسئلة تكبر وتكبر ككرة ثلج حتى تتركز في سؤال واحد ضخم.. من الذي يدير الكون؟ الله أم الإنسان؟
 
هذا الجزء من إيماننا يمتحن بشكل يومي تقريبا.. وأكثر من يفكر فيه ويحاكمه.. هم أناس يعتمد تقدم حياتهم على عوامل خارجة عن سيطرتهم.. شاب مثلا أنهى دراسته الجامعية ويطمح لأن يجد عملا ويبدأ حياته العملية مثل الآخرين.. لكنه كلما تقدم إلى وظيفة.. يرفض أو يهمل أو يحصل عليها شخص آخر.. هو درس وتعب وأدى ما عليه.. لكن العقبة التي تقف أمام تقدم حياته.. وتبدأ البطالة تأكل روحه.. ليست في يده.. أو فتاة.. درست وتخرجت وتعمل ربما.. وآن الأوان أن تتزوج وتشكل أسرة.. لكن “جلب” هذا العريس ليس في يدها بالطبع!! وتمر الأيام عليها ثقيلة وقاسية..
 
المشكلة الأساسية التي يعاني منها هؤلاء الناس.. خصوصا لو كانوا ملتزمين دينيا.. تكمن فيما أسميه أنا متوالية الأمل والخيبة.. بمعنى.. يزور أهل الفتاة عريس طالبا رؤيتها.. فتبدأ ببناء آمال على هذا العريس.. فلا يلبث أن ينسحب لسبب ما.. مما يضعها في مربع الخيبة.. شهر أو شهران.. يأتي شاب آخر لرؤيتها.. فأمل مرة أخرى.. فخيبة.. وهكذا دواليك.. حتى يصاب الإنسان بكره عميق لمتوالية الأمل والخيبة هذه.. والأمر نفسه طبعا عند الشاب الباحث عن عمل.. حيث يبني آمالا عريضة على كل مقابلة عمل.. ما تلبث أن تهدم..
 
متوالية الأمل والخيبة هذه.. لديها القدرة على تحطيم يقين الإنسان.. كما يحطم المد والجزر صخور الشاطئ.. خصوصا مع إيمان الإنسان أن الله هو من يدير الكون.. ولو بشكل غير مباشر (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض).. وبالتالي.. يبدأ الإنسان في مساءلة ربه بخجل.. فيم أذنبت يا الله حتى تعسر حياتي بهذا الشكل؟ بينما حيوات الآخرين الأقل التزاما مني ميسرة وهادئة؟ أنا والله يا ربي قد أحسنت.. ألم تقل في كتابك؟ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ألم تقل إن مع العسر يسرا؟ أين إحسانك لي؟ أين يسرك وهكذا دواليك… وتستمر هذه المتوالية في تحطيم يقين الإنسان حتى تخرجه عن دينه أو تكاد..
 
طبعا هذا الكلام.. لا يمكن لشخص حياته مستقرة أن يتقبله.. حتى لو كان رجل دين.. لأن حياته مستقرة.. وله زوجة وأطفال وراتب شهري.. فما الداعي لمساءلة أقدار الله يعني؟ هنالك وسادة ناعمة تقف بينه وبين هذا الألم.. وسادة يتكئ عليها.. لذلك يكون هذا الكلام عند أصحابه حديث نفس.. وإن تجرأ الإنسان وباح به لمقرب.. أو عبر عنه مواربة لرجل دين.. فسيحصل بالتأكيد على إحدى الحسنيين.. إما تأنيب قاسي وأن هذا لا يصح من مؤمن.. ولا يليق بمسلم.. وأن عليه أن يسترجع ويستغفر ويتبع السيئة الحسنة تمحها.. أو قد يصل إلى قذفه بالزندقة والإلحاد .. فيعود المسكين بخفي حنين.. وقد كسب ضيقا فوق ضيق.. وفؤاده فارغ كفؤاد أم موسى..
 
الغريب فعلا.. أن الله عز وجل الذي يحذرك الناس من غضبه وسخطه إذا ما راودتك هذه الأفكار.. ذكرها صراحة في كتابه في موضعين.. الموقع الأول.. في سورة الأحزاب آية 10 و 11.. المتعلقة بغزوة الأحزاب.. “إذا جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر.. وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا”..
 
الظنون هنا على إطلاقها.. وجمعت لاختلافها.. أي بعضكم يظن أن الله سينصره.. والبعض يظن عكس ذلك.. والبعض يظن شيء آخر.. موقف مهيب.. ابتلاء عظيم.. الأحزاب تحاصرهم من كل مكان.. وبينهم وبين الموت شعرة.. واليهود من خلفهم خانوهم.. مجزرة مؤكدة.. لا نجاة منها إلا بمعجزة.. لكن بماذا وصف الله أولئك الذين جاءتهم تلك الظنون؟ المؤمنون…
 
الموقع الثاني وهو أشد وضوحا وصراحة.. والذي جاءته الظنون هنا ليسوا رجالا عاديين.. بل رسل.. رسل قابلوا ملائكة.. ماذا تقول الآية.. “حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا” .. رسل محاصرين ربما.. مروا كما مررنا ونمرّ بمتوالية الأمل والخيبة.. حتى وصلوا لمرحلة الاستيئاس.. وهو تكرار اليأس.. وظنوا أنهم قد كُذِبوا.. كُذِبوا هنا بكسر الذال فقط.. على من يعود الفاعل فيها؟ هم ظنوا أنهم قد كذبوا.. الحقيقة أن هذه الآية حاول بعض السلف قراءتها بتشديد الذال.. أي كذّبهم أقوامهم.. والبعض قال “تفسيرها كما نخاف”.. أي أن الرسل ظنوا بالفعل أن ما وعدهم الله كان – حاشاه- كذبا..
 
رسل.. شاهدوا الملائكة.. ربما كان لهم كتب.. ومع ذلك في لحظات الابتلاء.. ظنوا أنهم قد كذبوا.. وأن كل ما وعدوه لن يتحقق.. لماذا يقول الله لنا ذلك؟ ألا يقوله لنعلم أن خواطرنا هذه كبشر.. مرت على قلوب أناس إيمانهم اقوى من إيماننا؟ هل هناك لطف من الله أكثر من ذلك؟ طمأنة على قلب المؤمن؟ إشعاره بأنني كإله أعلم بما تمر به.. وانظر إلى من سبقك.. مروا بنفس الشيء..
 
يصب في نفس هذا الموضوع ويحله فعليا.. الحديث الأسطوري للرسول محمد عليه السلام.. في يوم الطائف.. رجل بلغ الخمسين من عمره.. توفيت زوجته وابنتين ربما من بناته.. توفي عمه داعمه الأول.. قومه يكذبوه ويآذوه ويقتلوا من يؤمن به.. لعشر سنوات متتالية.. ويضعون حتى أمعاء الجمال على رأسه.. يخرج من قريته (مكة) إلى قرية أخرى (الطائف) لعل وعسى يحصل على بعض الدعم.. وبعد عشرة أيام كاملة في الطائف.. يطرد.. ولا يكتفون بطرده.. لكن يرسلون صبيتهم وسفهاءهم ليضربوا هذا الرجل الخمسيني بالحجارة.. على رأسه وظهره وكعبه الشريف حتى يسيل دمه.. ويقول وقتها دعاءه الخالد.. “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي.. وقلة حيلتي.. وهواني على الناس”.. أليس هذا اللي يحسه الشاب اليائس الباحث عن عمل؟ الهوان على الناس؟ أليس هذا ما تحسه الفتاة التي ترى كل من حولها تزوج بينما هي بقيت بلا رفيق؟ ضعف قوة؟ قلة حيلة؟ هوان؟
 
يكمل النبي عليه السلام.. وهنا يشكو أقدار الله إليه.. “إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟” تماما كما نشكو نحن.. إلى أين تأخذني أقدارك يا الله؟ إلى من تكلني؟ لم تفعل بي ذلك؟ ثم يقول النبي نفسه.. ما يحل عقدة نفسه وعقدتنا نحن أيضا.. “إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي.. ولكن عافيتك أوسع لي” ..
 
الصبر مفهوم جميل.. لكنه ليس طيبا كما يشاع.. الصبر شيء مرّ.. لأن الصبر في جوهره هو قبول النفس بأذى غير مستحق وطويل الأمد.. بمعنى.. لا أحد يصبر على أن تجارته نجحت.. أو أن أطفاله متفوقون.. الصبر يكون على أذى.. ولا أحد يصبر أنه رسب في امتحان لم يذهب إليه.. لأنه استحق ذلك.. ولا أحد يقول صبرت على زوجتي خمس دقائق لتحضر الغداء.. الصبر مرتبط بوقت طويل.. فهو إذا قبول النفس بأذى غير مستحق وطويل الأمد.. فعلت كل ما يمكن فعله.. ولم تجازى.. وطال عليك الأمد حتى بدأت بالشك.. هنا يبدأ صبرك.. هنا يكون امتحانك المرّ.. هنا يردد الإنسان لنفسه ليقنعها “إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي.. ولكن عافيتك أوسع لي”.. وطبعا ما قالها الرسول عليه السلام إلا لأنه فهم حقيقة الصبر الخالدة.. فهم أن الصبر لا يكون إلا عندما نرى الأشياء بمنظور الله.. عندما نقتنع يقينا أننا مخلوقات خالدة.. نعيش إلى الأبد.. نرى الوقت كما يراه الله “إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا”.. لذلك لا يتدخل الله.. لأنه يراه قريبا.. ولذلك نغضب نحن.. لأننا نراه بعيدا.. لكن متى ما تمكننا أن ننظر إلى الوقت كما يراه الله.. فسنصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.. ماذا تعني سنة وسنتان وعشرة في مسيرتنا الخالدة؟
 
في الفترة الماضية.. عرفت من محيطي عن سيدة فاضلة.. زوجة وأم وتعيش حياة هادئة ومستقرة مع زوجها وأطفالها.. يميزها فقط عن الناس ربما أن القرآن كان عشقها الأول والأخير.. قراءة وحفظا وفهما.. تشاء الأقدار أن تبتلى السيدة الفاضلة هذه بمصيبة كبيرة تزلزل كيانها كاملا.. وهي مظلومة فيها ولا ذنب لها من قريب أو من بعيد.. لكن هذه المصيبة تقلب أركان حياتها.. ولا تكاد تقف على قدميها منها.. وتبدأ بلملمة شتات حياتها.. حتى يتم تشخيصها بالسرطان في مرحلة متقدمة.. تنتقل إلى المستشفى للعلاج.. تاركة وراءها زوجها وأطفالها ومنهم رضيع..
 
بعد أشهر من الآلام والعلاج الكيماوي .. يقرر الأطباء أن علاجها مستحيل.. ويقررون إبقاءها فقط على المسكنات والمنومات.. لشدة الألم.. يروي لي من زارها في أواخر الأمر.. أنها هزلت ونزل وزنها إلى النصف تقريبا.. لدرجة أن من كان يعرفها طوال عمره لم يميزها عندما رآها.. وأنها في شهرها الأخير.. وفي الدقائق البسيطة التي كانت تفيق فيها.. كانت لا تسأل عن زوج ولا عن ولد ولا عن أهل حتى.. ولم يكن على لسانها سوى جملة واحدة.. “اللهم لا تفتنّي في ديني..” وظلت على ذلك حتى توفاها الله غير مفتونة..
 
لقد احتوى صدر تلك السيدة البسيطة سر الإيمان العظيم الذي ضاقت به صدور صحابة ورسل من قبلها.. عرفت ضعف نفسها بوضوح.. وأدركت أن كل خسارة (بما فيها خسارة الروح) تهون أمام خسارة الإيمان.. لذلك لم تهتم إلا بإيمانها.. وكأنها كانت تقول لله.. خذ مني كل شيء وابق معي إيماني بك.. نفس كلام نبيها محمد.. “إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي”
 
اللهم اقبضنا على ما قبضت عليه تلك المرأة.. وإن كنت قد كتبت علينا ضيقا من ضيق الدنيا.. فاكتب لنا معه سعة في الصبر.. وإن كنت قد كتبت أن يُعطى الناس بعد اليسر يسرين ونُعطى نحن بعد العسر عسرين.. فارزقنا إيمانا يقوينا على ذلك.. وثبتنا على ديننا حتى نلقاك.. ولا إله إلا أنت.. ولا إله إلا أنت..
 
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here