تفسير ايات القتال في القران – بعمق وحكمة

أول ملحوظة نلاحظها كما قلنا في المقال السابق عن الجهاد في سبيل الله طبقاً للقرآن ، أن الجهاد نوعين: 1- الجهاد في سبيل الله ، 2- الجهاد في الله ، هنا ورد فقط ( القتال في سبيل الله ) ولم يرد ولو آية واحدة تقول ( القتال في الله !! ) ماذا يعني ذلك ؟ هذا يعني أنك لن تقاتل أحد علي الله !! ، وإنما ستقاتل الناس الذين يقومون بغزوك في سبيل الله .. أي القتال لن يكون أبداً علي مسألة تخص الله ! ، الله لم يقول في القرآن ( قاتلوا في الله !! ، مثل جاهدوا في الله ) ، وإنما قال ( قاتلوا في سبيل الله ) .
.
أي أن في سبيل الله هي المفتاح ، أي عندما يأتي إليك شخص ما ليأخذ منك شيء لك أنت .. ملكك أنت .. عندها يظهر القتال في سبيل الله ، سنوضح الموضوع أكثر في المقال ..
.
* الله يقول: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )
– تأمل ترتيب الكلمات .. الله يقول قاتلوا ، ولكن ليس قاتلوا كأمر عبثي .. فقال قاتلوا ( في سبيل الله ) مين يا الله ؟ الذين يقاتلونكم .. ولا تعتدوا .. هذا أول آية
 
* يقول الله: ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين )
– ” لما أصابهم في سبيل الله ” ماذا يعني ؟ هذا يعني أنهم أصيبوا في سبيل الله .. ركز في الآيتين ، في الآية الأولي انت تقاتل في سبيل الله والثانية حاجة في الأول أصابتك في سبيل الله .. يعني مثل أنت تسير في طريق حياتك وشخص ما حاول النصب عليك أو سرقة ونهب شيء من ممتلكاتك الخاصة ..
 
( الذين يقاتلونكم + أصابكم + في سبيل الله = يشرع الأمر بالقتال )
 
انت عندما تكون سائر في سبيل الله وهو زواجك وسفرك وشركتك وحركتك وأكلك وشربك .. وشخص ما سطا عليك وأعتدى عليك فأصابك في سبيل الله .. أي عمل لك إصابة في الطريق الذي تسير أنت فيه .. في السبيل الذي يوصلك لله .. علي فكرة السبيل الذي يوصلك لله هو أن تعيش عيشة كريمة .. هنا الله يفرض عليك القتال
 
أحذر وتأمل .. ( القتال في القرآن ليس أمر مطلق مثل الصلاة والجهاد بل أمر ظرفي يخص حالة معينة فقط ) فالله يقول ( كتب عليهم القتال ) .. إذاً ما يعني ؟ طوال ما أنت تعيش حياة عادية إذاً القتال لم يكتب عليك .. بمجرد أن يأتي شخص ليسطوا عليك .. أول ما دولة تسطوا علي دولة آخرى وتبدأ بنهب وسرقة ما بداخلها .. في هذه اللحظة ينزل عليهم الأمر ( كتب عليهم القتال ) .. هذا يعني أن قبل تلك اللحظة القتال لم يكن مكتوب عليهم .. لأن الله يقول ( قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) ، أي عندما يوجد الذين يقاتلونكم عندها يظهر ( كتب عليكم القتال ) ..
 
1- إذاً القتال ليس أمر مطلق في القرآن وإنما امر خاص بظرف معين وحالة معينة ..
2- أنه يأتي في حالة أن هناك شيء ما أصابك في سبيل الله ..
2- أنه لا يكون في الله أبداً .. يكون في سبيل الله ..
 
– القتال له هدفين فقط:
الله يقول: ( وقاتلونهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ) ماذا يعني هذا ؟ لأن تلك الآية طبقاً للموروث مفهومة خطأ تماماً .. تفكر هو لم يقل ( القتل في سبيل الله !! ) ولم يقل ( اقتل في سبيل الله !! ) قال ( قاتل .. ) وهناك فرق كبير بين الإثنين .. المهم نرجع للآية التي ذكرناها ( وقاتلونهم حتي لا تكون فتنة …. ) ما هو الهدف العام من تلك الآية ؟ .. الله يقول كمجتمعات ودول أن نقاتل حتى لا تكون فتنة .. ماذا يعني هذا ؟
 
أن أي بلبلة تحدث في المجتمع المستقر ، أي فتنة ، أي إضطراب ، أي أحد يحاول أن يثير الفتنة ويهز الاستقرار والسلم العام .. كتب القتال لأجل هدف أن لا تكون هناك فتنة في البلد أو المجتمع ، لأنها عندما تكون هناك فتنة إذاً المجتمع سيتفكك وعندها لن يوجد سبيل الله ولا أي شيء آخر له قيمة سيكون موجود .. فالله يقول أن الأمر بالقتال موجود حتي لا تكون فتنة ، تخيل معى أن هناك الكثيرين من يقاتلوا في سبيل الله من أجل الفتنة !! ، أليست يوجد أناس بأسم القتال يصنعون فتنة في المجتمعات .. هؤلاء ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ) ، العكس هو الصحيح .. العكس هو أن الله أمر الدول وأمر المجتمعات بأن تقاتل من يريد أن يصنع فتنة حتى لا تكون فتنة ! .. وهذا هو المقطع الأول من الآية وهو أن هدف القتال أن المجتمع يظل مستقر وان البلاد والعباد يظل أمرهم مستقر .. وأن أمورهم الإقتصادية والإجتماعية كلها تفضل مستقرة حتى لا تكون فتنة ..
 
المقطع الثاني من الآية ( .. ويكون الدين كله لله .. ) ، وأيضاً ذلك المقطع فهم خطأ طبقاً للموروث ، يعني أن ربنا ينزل دينه بالإجبار .. يعني أن احنا ننشر الإسلام !! ، الله يقول ( إن الدين عند الله الإسلام .. ) ويقول في تلك الآية ( ويكون الدين كله لله ) ماذا تعني كلمة دين ؟ .. الدين غير الملة !
 
الملة .. العقيدة والإيمان والتوحيد ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه .. )
الدين .. هو النظام والقانون الدستور العام الذي يسير الحياة بأكلمها ..
 
فالله يقول ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) أي في النظام السياسي والإقتصادي الذي يسير به الملك وفي آية آخر يقول (قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين ) ، كافرين ولهم دين !؟ ، نعم لهم دين .. وهذا يعني أن كل شيء له دين .. وأن الكون كله له دين .. وأن المجتمعات لها دين .. وأن أي دولة حتي لو لم تكن تملك ” ملة ” فلها ” دين ” .. ماذا يعني لها دين ؟ أي لها نظام وقوانين ودستور يسير البلد .. وهذا الدستور والنظام والقوانين التي تسير البلد في استقرار ونظام هذا يسمى دين .
 
فالله يقول أن الدين الذي يسير الكون كله هو الإسلام ( ان الدين عند الله الإسلام ) أي أن الاستقرار والاعتدال والتسليم والتعايش بين الكائنات والخلوقات حتى لو كانت مختلفة تماماً ..
 
فالله يقول ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .. ) .. ليس لغير الله !! ، لا قاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين لفئة معينة أو لدولة معينة ، فقد تقوم دولة بالسطو علي دولة آخرى ليكون الدين لها هي وتفرض سيطرتها لها وحدها .. هذا خطأ في حد ذاته .. الله يقول ويكون الدين كله لله .. أي تكون كل الدول تعيش الاستقرار .. وكل المجتمعات تعيش بدياناتها وبعقائدها بإستقرار هذا يسمى ( الدين كله لله ) ، إنما يكون الدين ملك لدولة معينة وتفرضه علي الدولة الآخرى فهذا خطأ ..
إذاً هذين هم الهدفين الذي شرع لهم القتال في سبيل الله : 1- حتي لا تكون فتنة ( حتى يمنع أي أحد أن يصنع بلبلة وفتنة وتدمير للمجتمع ومؤسساته ) ، 2- ويكون الدين كله لله ( أي تكون الأمور مستقرة وكلها مسلمة لله ، فالكون كله أصلاً ملكك لله .. فالله لم يخلقه ليكون الكون عبثي .. الله يسير الكون باستقرار .. جعله كونه متوازن وهادئ .. الله لا يريد أن يرى في كونه أي بلبلة وأي قطع وأى ذبح ، وبالتالي أي شخص سيخرج خارج النظام الكوني الإسلامي الكبير الذي يسير الكون .. ربنا أمرنا أننا نقاتل هذا الشخص بشكل مجتمعي حتى يكون الدين كله لله )
 
هذا أول معلومة عن القتال في سبيل الله ، المعلومة الآخرى المكلمة لها :
* القتال في سبيل الله نتيجة الإخراج من الديار والأبناء
( ألم تر إلى المَلإِ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين )
.
– فالله يقول ” المَلإِ ” أي كبار القوم أي مجلس نواب وكبار شيوخ قبيلة بني إسرائيل ، قالوا لنبي لهم نريد ملك ونريد حاكم حتى نقاتل في سبيل الله .. يجب ان تعلم أن القرآن لا يوجد فيه عشوائية أبداً .. العشوئية التي تعيش بيها الناس اليوم غير موجودة في القرآن أبداً .. القرآن هناك نظام وهناك إحترام لرأس الدولة ولكل شخص في الدولة ومكانته لأن كل هذا هو دين الله سبحانه وتعالى .. هذا ليس مجاملة لأحد .. هذا هو النظام الذي خلق الله به الكون فلا يوجد أي مجاملة لأحد .. نكمل حديثنا ..
 
قالوا نريد أن نقاتل في سبيل الله ، قال لهم أحذروا .. فربما أن جئت لكم بملك واتفرض عليكم القتال عندها ستهربون .. إذاً عندها القتال لم يكن مكتوب وكما قولت لك أن ( القتال ليس أمر مطلق وإنما أمر واقعي ظرفي ) .. وبعدها قالوا له ( وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .. ) هذا يعني أن هناك احتلال حدث معهم .. فالقتال في سبيل الله عندما يسطوا أحد علي بلدك او يسرق بيتك أو ينهب شركتك .. فعندها يكتب عليك القتال .. وأنت عندها تقول بالقتال في سبيل الله لأن هناك مبرر قوى اسمه ( أخرجنا من ديارنا وأبنائنا .. ) ،
 
إذاً القتال في سبيل الله ليس ان نقوم بنشر الدين بالغصب والإجبار والقوة .. القتال في القرآن لم يرد لنشر دين أصلاً !! ، القتال في القرآن ذكر بمعنى أن هناك أحد قام بالسطو عليك واعتدى عليك ، وعندها يكتب ويفرض عليك القتال لأجل أن تسترد هذا السبيل الذي وضعه الله لك .. إذاً القتال ليس قضية دينية عقائدية ( ملة ) من الأساس !!
 
كما رأتهم منذ بداية المقال السابق ( الجهاد في سبيل الله ) وهذا المقال ، لا القتال ولا الجهاد له علاقة بنشر العقيدة ولا له علاقة بالدعوة الدينية ، لأن الله قال ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. ) أي الملة كل الناس أحرار فيها تماماً
 
* المجتمعات والدول والمؤسسات التي ستقاتل في سبيل الله ، لأن هناك أحد سطا عليهم الله يقول: ( وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا … ) ، ماذا يعني هذا ؟ هذا يعني أنه فرض علي الدولة وعلي المجتمع كله وعلي الشعب .. عندما يحدث حرب وأحد يعتدي عليهم .. طبعاً الناس القادرة علي ذلك .. فإما أن يخرجوا يقاتلوا مع الدولة والجيش أو أدفعوا أي يشاركوا بأموالهم في تمويل جيش بلدهم لكي يصدوا هذا المعتدي الذي يحاول ان يخرجهم من ديارهم وبلادهم .
 
قد تسأل: أنت تقول أننا في النهاية سأموت وتلك الممتلكات والأرض سأتركها وأموت .. لماذا أقاتل عليها !؟ .. من يقاتل هو من سيكون يتعلق بالدنيا ! .. سأقول لك وأرد : لا ليس تعلق بالدنيا بل شراء الآخرة بالدنيا .. تأمل الآية ماذا تقول: ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ) ، معنى كلمة يشرون أي من يبيعون مثل آية: ( وشروه بثمن بخس ..) شروه أي باعوه .. أي الله يقول لمن يريد الآخرة ويريد الله .. يجب أن يقاتل في سبيل الله حتي يسترد سبيل الله الذي وضعه الله فيه .. فالله وضعك في بلداً ما وأرضاً ما وآستأمنك علي تلك الأرض .. إذاً يجب عليك أن تقاتل فيها لأن هذه الأمور هي سبيل الله ليك .. فلا تقل: أنا سأقوم ببيع البلد وسأبيع الأرض لأنني في النهاية سأموت .. فالله يقول لك بوضوح من يريد الآخرة يقاتل في سبيله .. وفي النهاية هو يقول لك: أن تسترد تلك الأرض أو لا .. هذا الامر لا يخصك ( من يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً .. ) .. أي قضية المكسب او الخسارة تتعلق بالله ولكن أنت يجب ان تقوم بما عليك فعله وتحارب وتقاتل وتدافع عن بلدك وأرضك وعرضك ..
.
يمكنك أن تشاهد الحلقة كاملة علي اليوتيوب من هنا: اضغط هنا
.
أمين صبري
 
هل ساعدك هذا المقال ؟

تصنيفات : قوانين حياة من القرآن

اترك تعليقا

بريدك الالكتروني لن يتم نشره

نرجو من الجميع الحفاظ علي مستوي متميز من الحديث الراقي دون سب أو تجريح أو نشر للكراهية..