الرئيسية » قوانين حياة من القرآن » جرائم الشرف وقوامة الرجل على المرأة

جرائم الشرف وقوامة الرجل على المرأة

بواسطة عبدالرحمن مجدي
655 المشاهدات
جرائم الشرف وقوامة الرجل على المرأة
مقال طويل جدا عن القوامة والشرف وكرة القدم وأشياء أخرى..
 
من سوار قبلاوي، مرورا برشا بسيس وصولا إلى إسراء غريب، لا تزال النساء في هذه المنطقة من العالم، تقتل بداعي الشرف.. وبرغم كل تلك الدماء الزكية إِلَّا أن ردّ الفعل الباهت عليها كلها هو نفسه.. ترحّم على الضحية ولعن للقاتل.. دون وجود محاولة حقيقية لفهم لماذا يتصرف بعض الرجال بهذه الطريقة.. وهل من الممكن تعديل سلوكهم هذا!؟ هذا المقال يحاول الإجابة على هذا السؤال..
.
بداية، لا يمكن استيعاب مفهوم الشرف نفسه دون تحليل وتفصيص مفهوم القوامة والآية المعروفة في سورة النساء.. “الرجال قَوَّامُون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم “.. طبعا قراءة تفسير هذه الآية من مراجع قديمة كتفسير ابن كثير مثلا، كافية لإخراج أي امرأة من الملّة.. دون أدنى جهد.. لذلك سنحاول أن نقرأها قراءة حديثة لنفهمها بشكل جيد ومنطقي..
 
بداية القوامة جاءت من الفعل قام، قام قائم قوّام وقيّوم.. والله قيّوم السموات والأرض أي القائم بهما.. وبالتالي فالقوامة هنا بمعنى المسؤولية.. الرعاية .. الحماية والاهتمام.. هذه هي القوامة.. ولأنّها مسؤولية كلّف الله الرجل بها.. كان من الضروري شرح سبب هذا التكليف.. كإجابة على سؤال مفترض يقول “لماذا يتوجب علي كرجل أن أقوم على خدمة المرأة؟” فكان الرد.. “بما فضّل الله به بعضهم على بعض”.. والتفضيل هنا ليس كاملا ومطلقا كما فهمه شيوخ السلفية، بل هو تفضيل جزئي ونسبي.. جزئي بمعنى أنّه كما فضّل الرجال في أمور معينة، فضّلت النساء في أمور أخرى..
.

2- الفرق بين الرجل والمرأة

فكما أعطي الرجال مثلا القوة الجسدية، وهبت النساء القوة العاطفية والتماسك تحت الضغط.. الخ.. ونسبي بمعنى أنه حتى في جزئية كالقوة الجسدية أعطيت بعض النساء أكثر مما أعطي الرجال.. وبالتالي قد تجد امرأة أقوى جسديا من كثير من الرجال.. وقد تجد رجلا يمتلك من مميزات المرأة العاطفية ما يفوق الكثير من النساء وهكذا.. باختصار، هذا التفضيل لا يعني بالضرورة ما تم فهمه سابقا أن أصغر رجل هو أفضل من أكبر امرأة، وأن الطفل الذي بلغ للتوّ يكون وليّ أمر أمّه لأن الرجال قوامون على النساء وأفضل منهن.. هذا هراء.. التفضيل جزئي ونسبي ومتبادل.. لكن بمجموع الناس وبالنظر إلى الصورة الكبيرة وكقانون عام.. قرر الله خالق الجنسين أن يكلّف الرجال بمهمة القوامة..
 
طبعا قبل أن يقول أحد أن هذا الكلام مبتدع، نحيلك إلى تفضيل آخر في القرآن الكريم ذكر في السورة نفسها .. “وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما”.. التفضيل هنا مطلق وليس نسبي.. أي أن أصغر مجاهد أفضل عند الله من أكبر قاعد.. وليس هذا هو الحال في موضوع تفضيل الرجل على المرأة، لأن اللفظ نفسه المستخدم في آية القوامة يفيد التبادل.. “بعضهم على بعض” أي بعض الرجال على بعض النساء وبالعكس..
.

3- مفهوم القوامة الصحيح

ولتصور أفضل عن هذا التفضيل، تخيّل أنّك مدرب لكرة القدم.. ويقع عليك تشكيل فريق من المواهب الموجودة لديك.. مجموعة تمتاز بالسرعة والمراوغة وحسن التسديد.. مجموعة تمتاز بالتمرير الجيد ورؤية الملعب والكرات العرضية.. ومجموعة تمتاز بضخامة الجثة وحسن استخلاص الكرة.. لا شكّ أنك ستختار المجموعة الأولى للهجوم والثانية للوسط والثالثة للدفاع.. لأنك قد رأيت أن هنالك تفضيل جزئي ما بينهم.. لكن هل هذا يعني أن المهاجم أفضل بالمطلق مِن لاعب خط الوسط؟ أو هل المدافع أفضل من حارس المرمى؟ بالطبع لا.. كلهم لاعبون ممتازون لكن كل منهم يمتلك ميزات جزئية تناسب موقعه..
 
من هنا تبدو بعض الدعاوى مثل “المرأة يمكنها العمل كميكانيكي”.. الرجل يمكنه العمل كمربية”.. دعاوى ساذجة.. وهي تشبه أن نقول للمدرّب أنّ المدافع أيضا يمكنه تسجيل الأهداف، ليلعب في خط الهجوم.. وبالطبع سيقول لنا أنه يعرف أن المدافع يمكنه تسجيل الأهداف.. والمهاجم يمكنه أيضا حراسة المرمى.. وهذا ما سيفعله الفريق كله في حالة الأزمة، لكن في الوضع الطبيعي.. فلكلّ مكانه.. والمطالبة بأن يلعب المدافع في خط الهجوم ليست فقط محاولة غبية لمساواة ليست في مكانها.. وإنما تخفي في باطنها أيضا احتقارا لدور المدافع.. فطلبك المساواة مع شخص ما، تفترض بالضرورة أنّك ترى نفسك أقلّ منه.
.

4- القوامة بين الرجل والمرأة نسبي

المهم أن هذا التفضيل النسبي والجزئي والمتبادل إذا أردنا النظر إليه بكل تجرُّد فهو يتعدى القوة الجسمانية والقدرة على الولادة والإرضاع وكل هذا الاختلافات الجسدية إلى شيء ما عميق في تركيبة الرجل والمرأة النفسيين.. هنالك حاجة عميقة في نفسية كل رجل تدفعه لحماية امرأته.. للذود عنها.. للعناية بها.. لإحضار الأشياء لها.. وبالمقابل هنالك حاجة عميقة أيضا في داخل كل امرأة لأن يحتويها رجلها.. يعتني بها.. يغار عليها.. يحميها من الآخرين.. وهذه بالضبط هي خلطة القوامة التي تحدث عنها الله عز وجل.. وهكذا ترى أن اختيار الله الرجل لهذه المهمة، ليس لأن الله عز وجل هو ذكوريٌّ – حاشاه- فليس الرجال ولا النساء سوى خلق من خلقه، ولا ينحاز لأي منهما ضد الآخر وإنّما لمعرفته التامة بخلقه.. وتقريره أن هذا ما يصلح الجنسين الذين خلقهما باختلافاتهما الطبيعية..
 
الجزء الأخير من الآية والذي يشرح مكوّن القوامة الثاني هو “وبما أنفقوا من أموالهم” أي الكسب المادي.. بمعنى، أن الرجال مكلّفين بالقوامة لأنهم أيضا يعملون ويكسبون.. وبالتالي فهذه الميزة استوجبت تكليف الإنفاق..طبعا هذه الجزئية خطيرة جدا.. وفهمها ضروري.. لأن العصر الحديث وإحلال الآلات مكان العضلات وتحول الوظائف بمجملها إلى وظائف مكتبية جعل المرأة تعمل أيضا خارج البيت، وبالتالي تكسب رزقها كما يكسبه الرجل.. فهل في هذه الحالة تسقط القوامة؟ عند الكثير من الناس، الإجابة هي نعم، إذا عجز الرجل عن الإنفاق لأي سبب، تسقط قوامته مرحليا.. ويعلو صوت زوجته على صوته.. واتهامها له بأن الرجل الذي لا يكسب، ليس رجلا.. لكن الإجابة الصحيحة هي لا..
.

5- الأصل هي المودة والرحمة

لا تسقط قوامته حتى مع خسارته جزئية الإنفاق هذه.. لأن الكسب من عدمه هو أمر خارج عن طبيعة الإنسان.. أي أن الرجل لا يفقد مميزاته كرجل عندما يخسر كسبه لسبب ما.. يظل رجلا، قد تتأثر صورته عن نفسه قليلا.. وقد يعاني نفسيا جراء ذلك، لكنه يجب أن يظل رجلا في عينه وعين زوجته أيضا لأن داخله كرجل لم يتغير.. والرسول عليه السلام نفسه قد تزوج من هي أغنى منه، فهل أفقده هذا قوامته!؟ بالطبع لا.. وطبعا غني عن القول هنا أن الآية الحاكمة في علاقة الرجل والمرأة هي “ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف” أي أن الأصل سواء كان الرجل ينفق أو المرأة أن تكون المودة والرحمة هي أساس العلاقة.. لكن في حالات بسيطة جدا عند حدوث خلاف، تكون الكلمة للرجل باعتباره القوّام المسؤول..
.

6- ما علاقة القوامة بالشرف؟

هذه هي القوامة باختصار.. والسؤال هنا.. ما علاقة القوامة بالشرف؟ أو ما هو الشرف ولماذا هو مرتبط بالقوامة وتعريف الرجولة.. والجواب هو، أن هذه المنظومة الكاملة التي تسمّى القوامة هي ما تعطي الرجل إحساسه برجولته.. وجزء أساسي منها أن يحمي الرجل زوجته/أخته من اعتداءات الرجال الآخرين.. سواء الاعتداءات اللفظية، الجسدية أو الجنسية.. هذه الحماية من اعتداءات الآخرين في نظر الرجال هي الشرف.. وهو شيء غال جدا يدفع الدم في مقابله.. ولذلك قال العرب “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى.. حتى يراق على جوانبه الدمُ”..
 
ولاحظ أنه غير مرتبط بأخلاق الرجل نفسه.. وهنا يمكننا فهم لماذا لا يبدو موقف السيد أحمد عبد الجواد في رواية “بين القصرين” متناقضا أبدا.. الرجل شديد جدا على زوجته وابنتيه فيما يخص لباسهما.. لكنّه متهتّك عاهر مع الراقصات.. هذا ليس تناقضا أبدا كما قد يفهم البعض.. أحمد عبد الجواد حافظ على شرفه سليما.. وانتهك شرفا آخر متاحا.. فهذا لم يكن يعيبه أبدا في نفسه، أو يعني له أي تناقض..
 
طبعا هنا قد تعلو الأصوات قائلة أن الشرف لا يتجزأ.. الخ.. لكن مرة أخرى، ما لم يتم فهم أن هذا بالضبط ما يعنيه الشرف للرجال، فلا يمكننا أن نتحرك خطوة واحدة للأمام.. المهم.. أن حماية هذا الشرف بالنسبة للرجل هي مكون أساسي من مكونات رجولته.. وبعكس المرأة، يدرك الرجل أن الرجال الآخرين (وهو شخصيا) يتصرفون كحيوانات مفترسة.. وكلمة حيوانات هنا لا تعني بالضرورة غياب العقل أمام الشهوة بقدر ما تعني تلك الرغبة الملحّة والدفينة عند الرجال باستغلال كل ما هو متاح.. تماما كما تستغل المفترسات أي فريسة ممكنة..
.

7- ما يجب فهمه عن الرجال؟

هذا طبع الرجال الذي يجب على كلّ أنثى فهمه.. وكلّ أمٍ أيضا.. فالأولاد هم رجال صغار.. والذكور بطبعهم حيوانات مفترسة.. تسعى لاستغلال وانتهاك، ليس فقط أي أنثى متاحة ولكن أي رجل ضعيف أيضا.. فالقوة والقوة وحدها هي اللغة التي يتحدث بها الرجال.. والاستغلال هنا لا يحمل المعنى الجنسي بالضرورة لكنه يحمل معنى التحكم.. ولذلك أقول دائما أن المرأة التي لم تشاهد ناشيونال جيوغرافيك وبالأخص برامج المفترسات (الأسود كمثال) لن تفهم الرجال أبدا..
 
المهم، بعد كل هذا الإسهاب الضروري.. أن حماية الشرف جزء مهم من رجولة كل رجل.. لكن السؤال المحوري هو.. ماذا لو لم يكن هنالك اعتداء جنسي على الأنثى، وأنّها هي برغبتها طائعة مختارة.. قررت الدخول في علاقة عاطفية مع رجل آخر.. هل ينتهك فعلها هذا قوامة الرجل؟ هل تجرح رجولته هنا؟ وهل يعتبر نفسه قد فشل كرجل في حماية عرضه؟
.

8- حقيقة من يقومون بجرائم الشرف

قبل أن تنزل آيات سورة النور التي برّأت السيدة عائشة عليه السلام.. كان الانطباع السائد في المدينة المنورة، أن السيّدة عائشة “قد تكون” مارست الزنا.. فهل طعن هذا التصور في رجولة النبي عليه السلام؟ هل ذهب إليها كالمجنون محاولا قتلها – حاشاه- ؟ الإجابة لا.. الرجل الواثق من رجولته، لا تتدمّر رجولته إن قررت الأنثى في حياته أن تُمارس علاقة عاطفية أو جسدية مع رجل آخر.. جزئية حماية الشرف هذه لا تتأثر لأن التقصير أبدا لم يكن من الرجل.. قد ينهار الزوج من الداخل إن قررت زوجته هجره أو خيانته مع رجل آخر.. قد ينهار لأنه سيشعر أنه كرجل لم يكن كافيا لها كأنثى.. لكن هل هذا يعيبه فعلا؟ لا..
 
من يرتكبون جرائم الشرف لديهم خلل أساسي في رجولتهم أساسا.. خلل في صلب مكونات القوامة.. إمّا لإحساس عالٍ بالنقص أمام الرجال الآخرين.. ربّما بسبب الجهل وقلة الكسب.. أو حتى انعدام القدرة على فرض نفسه كرجل أمام النساء في حياته.. ولربّما لأي سبب آخر.. لكن الأكيد أنّه يتم تعويض هذه الرجولة المفقودة باستعراض العضلات والتشديد المقيت على النساء.. بل وقتلهن لو لزم الأمر ليمنحهم مجتمع الرجال شهادة رجولة مزيفة مفقودة أساسا..
 
باختصار، جزء مهم من رجولتك أيها الرجل أن تحمي نسائك من اعتداءات الآخرين.. لكن إذا قررت طائعة مختارة أن تُمارس علاقة عاطفية مع شخص آخر.. فهذا لا يعيبك.. هو خطأ ويجب منعه ومحاولة تفاديه كونه ينتهك العرف والتقاليد والأخلاق الحميدة.. لكنّه ليس عارا يغسل بالدم يا بشار.. عارها هي ربّما.. لكن ليس عارك.. ولا تزر وازرة وزر أخرى..
 
.
هل ساعدك هذا المقال؟ .. شاركه الآن!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقك !